مقالات

أنوار البيان في تدبر القرآن :الحلقة رقم (19)

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور

” الاختلاف وأدب الحوار في إدارة التنوع”

يقول الحق تبارك وتعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾

[سورة محمد: 24]

إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.

نواصل سلسلة حلقاتنا في تدبر القرآن الكريم ونقف في هذه الحلقة عند “الاختلاف ك “آية” ربانية و”حتمية” قدرية.

ومع “أدب” الحوار والمجادلة ك “منهج” قرآني في “إدارة” التنوع .

أولاً: آيات الإستدلال من الذكر الحكيم:

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ}

(سورة هود)

{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ}

(سورة الروم – الآية 22)

{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُـوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}

(سورة المائدة – الآية 48)

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}

(سورة الحجرات – الآية 13)

{ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}

(سورة النحل – الآية 125)

{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}

(سورة العنكبوت – الآية 46)

{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}

(سورة طه – الآية 44)

{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}

(سورة سبأ – الآية 24)

ثانياً: المتن المسنود بأقوال العلماء:

لم يكن “الاختلافُ: يوما شقاقاً، بل هو دوما لبنة وركيزة أساسية في بناءِ التنوع. كما أن الحوار لم يكن غلبةً، بل هو تقارب في “محراب” الحقيقة.

حيث تبدأ الرحلةٌ من قبول “الآخر”، وتنتهي بصياغة “الكلمة” كجسرٍ شعوريّ” حيث تلتقي العقولُ، لا لتتصادم، بل لتتعارف في تباينها في جلالُ الخالق، وتستقيم بمجادلتها في ميزانُ الهداية الإلهية.

 إعجاز التعدد في وحدة المنهج :

إن سنة “الاختلاف” ليست خلافا في المنظور القرآني، كما أنها ليست حادثاً طارئاً عارضا، وإنما هي “تصميمٌ إلهي” مقصود ليقود الناس إلى “التدافع” المعرفي والحضاري، ولولا هذا التعدد لتعطلت حركة الحياة.

يفرق المحققون في التدبر بين “الاختلاف” الفطري و”الخلاف” المذموم:

• الاختلاف آية ورحمة:

“الإختلاف” هو تنوع العقول، والأفهام، والألسنة، والألوان، وهو إختلاف “تنوع” يثري الحياة.

القرآن جعل هذا “الاختلاف” دليلاً على قدرة الخالق {وَمِنْ آيَاتِهِ…}، فالتكرار في الخلق رتابة، والتنوع إعجاز.

وهنا يُأصلّ الإمام الشاطبي في كتابه (الموافقات) لقاعدة ذهبية مفادها:

“أن إختلاف الأفهام في نصوص الشريعة “رحمة واسعة”، وأنه لولا هذا “الاختلاف” لضاق الدين على الناس، فالاختلاف في الفروع: سعة لتغير الأحوال والأزمان”.

وقد توقف العلماء كثيرا عند قوله تعالى: {وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ}؛ فهل خلقهم ليختلفوا؟

والإجابة “نعم”:

 خلقهم بعقول حرة ومشيئة مختارة تقتضي بالضرورة “تباين” وجهات النظر، ليكون هذا “التباين” ميداناً للإختبار {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}.

يرى الإمام الفخر الرازي أن “الاختلاف” هو مقتضى الحكمة الإلهية لكي يحتاج الناس لبعضهم البعض؛ فلو تشابهت المواهب والعقول لتعطلت المهن والصناعات، فاختلافهم هو سر بقاء “عمران الأرض”.

كما يلحظ الإمام إبن كثير في قوله {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} أن هذا القانون مستمر إلى قيام الساعة، وأن “الرحمة” المذكورة في الإستثناء {إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} لا تنفي وقوع “الاختلاف”، بل تنفي تحوله إلى فرقة تقطع حبل المودة.

الغاية من التعدد (التعارف والسبق):

الحق عزوجل عن “الاختلاف”لم يقل: “لتصارعوا” بل قال: {لِتَعَارَفُوا}، والتعارف هو جسر التواصل بين الأطياف المختلفة. ومن ثم وجه سبحانه وتعالى الطاقات المختلفة نحو: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}.

وفي ذلك يقول العلامة إبن القيم في (إعلام الموقعين):

“إن وقوع “الاختلاف” بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إراداتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم هو البغي والعدوان إثر هذا الاختلاف”.

المجادلة والحوار آلية لإدارة التنوع:

إن الله الذي جعل “التعددَية والاختلاف”

آيةً كونيّة، لم يتركنا في تيهِ التباين، بل رسم لنا بالوحي هندسةً أخلاقية تُحيل الصدامَ سلاماً، والمواجهةَ واجهةً للنور، فبين “فطرة الاختلاف” و”فتنة الخلاف” شعرةٌ دقيقة لا يقطعها إلا الرفق، ولا يمدُّ جسورها إلا القول “الأحسن”، ونجتهد لننتقل من فضاءِ التعددية الواسع إلى مرافئ الحوار الآمنة، لنجعل من الاختلاف تكامل، ومن الحوار تراحم.

فإذا كان “الاختلافُ” هو “القَدَر” الذي لا مفر منه، و”الحتمية” التي لا مناص منها فإن أدب الحوار هو “يد” القدرة والمشيئة الإلهية التي تهدي “العقول” إلى سبل “الرشاد”،

أدب الحوار بين الحكمة والمجادلة:

الحوار في القرآن ليس حلبة للصراع أو لإثبات الغلبة، بل هو “رحلة بحث” مشتركة عن الحقيقة، يقودها الطرف الأهدى برفق ويقين.

ويفرق القرآن الكريم بين ثلاث درجات من الخطاب وأدب الحوار:

• الحكمة: مع (العقلاء والمستبصرين):

هي وضع الشيء في موضعه، ومخاطبة العقل بالبراهين القاطعة بعبارات موجزة رصينة.

• الموعظة الحسنة: مع (المتذبذبين):

هي الخطاب الذي يمزج بين الدليل والعاطفة، ويخاطب الوجدان ليرقق القلب ويجذب النفس للحق.

هنا يرى الإمام الطبري أن:

“التي هي أحسن” تعني الرفق بالطرف الآخر، وتجنب التعنيف، واستعمال الكلمات التي تلين جانبه ولا تنفره من الحق.

• المجادلة بالتي هي أحسن: مع (المخالفين):

عندما يكون هناك إعتراض، يأمر الله بالمجادلة، ولكن قيد هذه المجادلة بصفة: “التي هي أحسن”.

والملاحظ أن القرآن وصف الموعظة بـ “الحسنة”، ووصف المجادلة بـ “الأحسن”؛ لأن المجادلة مظنة الغضب والإنتصار للنفس.

يرى العلامة الطاهر بن عاشور في (التحرير والتنوير):

” أن المجادلة بالتي هي “أحسن” تشمل إختيار الوقت المناسب، واللفظ الرقيق، والمنطق الذي يفهمه المحاور، مع عدم جرح كرامته أو الإستهزاء بمعتقداته”

وحول هذا النقطة يلحظ الإمام الفخر الرازي:

“أن الله أمر بمخاطبة فرعون بـ “قول لين” وهو الذي ادعى الألوهية، فكيف بمن دونه؟ أن بسط “اللين” في الخطاب هو أقصر طريق لإقامة الحجة، لأن الغلظة تغلق أبواب السمع قبل أبواب القلب”.

ويشير الإمام إبن القيم في (مدارج السالكين): إلى إعجاز الآية التي وردت في سورة سبأ {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى}:

ويسميها ب”الإنصاف في الحوار”. فالمحاور القرآني لا يبدأ بقوله “أنا على حق وأنت ضال”، بل يضع الإحتمالين أمام الخصم لينظر هو بنفسه في الدليل، وهذا منتهى التواضع والدقة في الإقناع.

ويرى الشيخ الشعراوي في قوله تعالى {أَوْ إِيَّاكُمْ}:

“إستدراجاً للخصم للحق”، فالقرآن لا يصدم المحاور بخطئه في البداية، بل يضع الإحتمالات بتواضع يزيل الكبر، ويخلص إلى أن “القرآن حمال أوجه في بعض آياته، وهذا مقصود، لكي يجد فيه كل زمان ما يناسبه، ولكي تجد كل مدرسة فقهية متسعاً لها. فالحق سبحانه وسّع علينا في النص لكي لا نضيق نحن على بعضنا في التطبيق.

فالغاية واحدة وهي “الله”، لكن الطرق إليه بتعداد أنفاس الخلائق؛ فلا تحجر واسعاً، ولا تدّعي “إمتلاك” الحقيقة المطلقة في الأمور الإجتهادية”.

تتجلى عبقرية الشيخ الشعراوي في الجمع بين سنة “التنوع” و”أدب” الحوار:

في الربط بين آيات الخلق وآيات السلوك في نسق واحد، حيث يقول عن التنوع:

“الله خلق ملايين البشر، ولم تتطابق بصمة إصبع أو نبرة صوت بين اثنين، فهذا “الاختلاف” المادي هو تمهيد لقبول “الاختلاف” العقلي. فكما قبلت أن يختلف شكلك عن غيرك، اقبل أن تختلف وجهة نظرك عن غيرك، فكلنا قطع في (بازل) واحد يكمل بعضه بعضاً”.

ويعلق على قوله تعالى(لتعارفوا): “التعارف لا يكون بين متشابهين، بل بين مختلفين، فأنت تعرفني بما يميزني عنك، وأنا أعرفك بما يفرقك عني، ف”الاختلاف” هو شرط (المعرفة)، والتشابه التام يؤدي إلى الجمود”.

ويضيف الشيخ الشعراوي عن أدب الحوار: بقوله:

“الحوار هو إلتقاء عقلين، والجدال هو إصطدام عقلين. فإذا أردت أن يدخل علمك في عقل غيرك، فافتح له باب الأمان بالكلمة الطيبة، فالكلمة الخشنة تجعل المحاور في حالة “دفاع وتقفيل” (قفل عقل)، والكلمة اللينة تجعله في حالة إستقبال”.

ويعلق الشيخ على قوله تعالى (قولاً ليناً):

ب”

إن فرعون طغى وتجبر وادعي الألوهية، ومع ذلك أمر الله موسى وهارون باللين. لماذا؟

ليس من أجل فرعون، بل من أجل (المنهج)، الله يريد أن يربي في الداعي على “أدب” الخطاب، فمهمتك هي البلاغ، والقلوب بيد الله، فلا تكن حائلاً بين القلوب وبين خالقها بغلظتك”.

ثالثاً: خلاصة الوقفات التدبرية:

• إنَّ حتمية “الاختلاف” في الرؤية القرآنية ليست قدراً يُحتمل، بل هي “هندسةٌ وجودية” قامت عليها عمارة الكون؛ فالحقُّ سبحانه لم يُرد لعقلِ الإنسان أن يكون صدىً رتيباً لنسخة واحدة، بل أرادهُ لوناً في طيفٍ واسع، ليتحول التباين من “شرارةِ صدام” إلى “طاقةِ إتمام”.

• نكتشف في “مرافئ الحوار القرآني” أن الله يعلمنا أن الحقَّ إذا تجرد من “الرفق” صار صلفاً ينفر منه الطبع، وإذا خلا من “اللين” صار سيفاً يقطع حبل الوصل.

• إستخدام القرآن لصيغة المبالغة {الأحسن} في سياق الجدال، هو إشارةٌ دقيقة إلى أن معالجة عقل “المخالف” هي بمثابة “جراحةٍ دقيقة للروح”، تستوجبُ من المُحاوِر أن ينسحب من ذاته لينتصر لمبدئه، وأن يقدم “الأدب” قرباناً بين يدي “الدليل”.

• أخيرا: أن “الاختلاف” هو “جمالُ الفطرة”، والحوار هو “جلالُ الحكمة”؛ وما بينهما تكمن عبقرية الإسلام في تحويل “تعدد المشارب” إلى نهرٍ واحد يصبُّ في مجرى السلم العالمي، حيث يكون “الإنتصار” الحقيقي ليس في تحطيم حجة الآخر وإقصاؤه عن المشهد، ولكنه في إستنقاذه بالكلمة الطيبة التي هي أصلها ثابتٌ في اليقين، وفرعُها يظلل القلوب بالسكينة.

اللهم طهر قلبي، واستر عيبي، واغفر ذنبي، واشرح صدري.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمدﷺ وعلى آله عدد حروف القرآن حرفاً حرفاً، وعدد كل حرف ألفاً ألفاً، وعدد صفوف الملائكة صفاً صفاً

نواصل غدا بمشيئة الله تعالى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى