مقالات

أنوار البيان في تدبر القرآن: الحلقة رقم (25)

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور

“ليلة القدر”.. مهبط الأنوار وفيض الأقدار”

يقول الحق تبارك وتعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾

[سورة محمد: 24]

إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.

نواصل سلسلة حلقاتنا في تدبر القرآن الكريم

ونخصص هذه الحلقة ل”ليلة القدر” وهي تاج الليالي وجوهرة شهر رمضان المبارك، فهي الليلة التي إختصها الله سبحانه وتعالى بإنزال القرآن الكريم، وجعلها محطة غفران كبرى لعباده.

هي ليلة “الإتصال” بين الأرض والسماء، وليلة “التقدير” التي تُفصل فيها الأرزاق والآجال.

وقد سماها الحق تبارك وتعالى بـ ليلة “القدر” لعظيم قدرها وشرفها عند الله، ولأن الطاعات فيها لها وزن و”قدر” لا يبلغه العمل في غيرها من الأزمان.

أولا : آيات الإستدلال من القرآن الكريم:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)﴾

[سورة القدر: 1-5]

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)﴾

[سورة الدخان: 3-4]

﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)﴾

[سورة النحل: 2]

المتن المسنود بأقوال العلماء:

معنى وماهيته ليلة “القدر” :

إن لفظ “القدر” في لسان الشريعة ومحكم اللغة ليس لفظاً أحادياً، بل هو لفظ “جامع” يحمل في طياته أسرار العلاقة بين “الخالق” و” المخلوق”، وقد فصل العلماء في ذلك تفصيلاً دقيقاً، حيث يجمع المحققون من المفسرين واللغويين على أن “القدر” في هذه الليلة يدور حول ثلاثة معانٍ جوهرية، كل منها يمثل بُعداً من أبعاد عظمتها:

• “القدر” بمعنى: التقدير والتدبير:

وهو المعنى الأشهر الذي ذهب إليه جمهور المفسرين ك(قتادة ومجاهد والحسن البصري).

في “صحيح البخاري”: أورد عن إبن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى “فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ” قال:

“يُكتب من أم الكتاب في ليلة “القدر” ما يكون في السنة من موت، وحياة ورزق ومطر، حتى الحجاج: يقال يحج فلان ويحج فلان”.

يقول الإمام النووي:

“سميت ليلة “القدر”: “لأن الملائكة تكتب فيها الأقدار، لقوله تعالى ‘فيها يفرق كل أمر حكيم’؛ ومعناه أن الله يُظهر للملائكة ما سيكونه، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم”.

• “القدر” بمعنى “الشرف والمكانة”:

أي أنها ليلة ذات “قدر” عظيم ومنزلة رفيعة عند الله، كما يقال: “فلان ذو قدر”، أي ذو جاه وسلطان، (ولله المثل الأعلى).

يقول الإمام الزهري:

“سميت ليلة “القدر” لعظم قدرها وشرفها، ولأن للطاعات فيها قدراً عظيماً وثواباً مضاعفاً لا يوجد في غيرها”.

ويضيف الإمام الفخر الرازي في(التفسير الكبير):

“إنما سميت بذلك لأن من لم يكن له قدر إذا أحياها صار ذا قدر عند الله”.

• القدر بمعنى “التضييق” (من قوله تعالى: ومن قُدر عليه رزقه):

وهو من ألطف المعاني التي إستنبطها الفقهاء والمفسرون:

يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي:

“سميت بذلك لأن الأرض تضيق بالملائكة الذين ينزلون فيها لكثرتهم، والضيق هنا علامة على كثرة الوفود النورانية التي تملأ أركان المعمورة”.

أما الشيخ الشعراوي يقول :

“انظروا إلى كلمة ‘القدر’، فهي تجمع بين (الحكم والتقدير) وبين (القيمة والمكانة). فالله سبحانه وتعالى في هذه الليلة لا يُقدّر أرزاقنا وآجالنا تقديراً جبرياً، بل يُقدّرها تقديراً ‘حكيماً’ (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ). و”الحكمة” هي: وضع الشيء في موضعه الصحيح، فكأن ليلة القدر هي “ميزان العدل الإلهي” الذي ينزل من عالم “الملكوت” ليُطبق في عالم الملك”.

ويشير الشيخ الشعراوي: إلى أن قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}:

“هو تعظيم وتفخيم لشأنها، فكل ما في القرآن بدأ بـ “وما أدراك” فقد أدراه الله إياه وعلمه فضله.

ويضيف الشيخ الشعراوي:

“أن “القدر” يمكن أن يأتي أيضاً بمعنى “الضيق” ، أي أن الأرض تضيق بالملائكة لكثرة نزولهم، وهو ضيق “تشريف” لا ضيق “حرج”.

 تجهيزات النبي ﷺ وصحابته الكرام والسلف الصالح لإستقبال (النفحات الإلهية):

ليلة القدر “حضرة قدسية” تتطلب طهارة الظاهر والباطن، وقد كان حال السلف فيها كحال من يستعد لإحرامٍ أو لقاءٍ عظيم

وكان الإعتكاف النبوي هو قمة التفرغ لقطع العلائق عن “الخلائق” والإتصال “بالخالق”

التجهيز المادي والجمالي:

كان أنس بن مالك وتميم الداري وثابت البناني رضي الله عنهم يغتسلون ويتطيبون ويلبسون أحسن الثياب (الحُلل) في هذه الليالي، إجلالاً لزوار السماء من الملائكة وإكراماً لشعائر الله.

التجهيز النفسي:

ورد في صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت:

“أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى (تشاحنا)رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: إنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بلَيْلَةِ القَدْرِ، وإنَّه تَلَاحَى فُلَانٌ وفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وعَسَى أنْ يَكونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوهَا في السَّبْعِ والتِّسْعِ والخَمْسِ”.

وقد كان أولياء الله يحرصون على تصفية النفوس من المشاحنات كإستعداد نفسي لإستقبال هذه الليلة المباركة” إقتداءً بالهدي النبوي الشريف.

تحري ليلة القدر وهدي النبي ﷺ:

كان النبي ﷺ يخص العشر الأواخر بمزيد من الإجتهاد، فكان يحيي الليل ويوقظ أهله ويشد المئزر، كما جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها:

“أن رسول الله ﷺ قال: “تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ”.

 قول الصحابة في ليلة سبع وعشرين:

ذهب كثير من الصحابة والتابعين إلى أن أرجى ليلة هي ليلة (سبع وعشرين)، ومن أشهر من جزم بذلك الصحابي الجليل أبي بن كعب رضي الله عنه، حيث يقول الإمام مسلم في صحيحه:

“سُئل أبي بن كعب عن قول ابن مسعود (من يقم الحول يصب ليلة القدر)، فقال:

“والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان، ووالله إني لأعلم أي ليلة هي؛ هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها”.

ويرى الإمام ابن حجر العسقلاني:

“أن الحكمة من إخفاء موعدها بدقة هي ليتوفر العباد على الطاعة في جميع ليالي العشر، ولا يقتصروا على ليلة واحدة.

علامات ليلة القدر من السنة النبوية:

ورد في السنة المطهرة علامات يستدل بها المؤمن على وقوعها:

• صفاء جوها:

تكون ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، كأن فيها قمراً ساطعاً.

• نزول الملائكة:

يشعر المؤمن فيها بسكينة وطمأنينة غير معتادة في قلبه.

• علامة الصباح:

وهي العلامة الأثبت، حيث تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء كأنها “طست” لا شعاع لها، وذلك بسبب كثرة أجنحة الملائكة الصاعدة إلى السماء التي تحجب شعاعها. (رواه مسلم من حديث أبي بن كعب).

يقول الشيخ الشعراوي:

“إن السلام في ليلة القدر {سلام هي حتى مطلع الفجر} يعني:

“أن السلام يغمر الوجود كله، فلا يستطيع الشيطان أن يصيب أحداً فيها بسوء، وهي سلام للمؤمنين من العقاب، وسلام من الله لملائكته وعباده، فكأن الكون كله يعيش حالة من الأمن الروحي المطلق”.

يقول الإمام الفخر الرازي:

“القدر” هنا هو الإحكام، فهي ليلة لا يقع فيها عبث، ولا يُقدّر فيها إلا ما هو محض الحكمة، لقوله تعالى {أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا}

 فهي ليلة القرار الإلهي المبرم الذي لا يُرد”

مقاربة في فقه التنزل اليومي في “الأسحار” والتنزل في “ليلة القدر”:

إن “التنزل الإلهي” هو أبهى صور القرب الودود بين الخالق والمخلوق، ولكن ثمة فرقاً دقيقاً وعميقاً بين ما يقع في جوف كل ليلة وبين ما يقع في ليلة القدر؛ وهو الفرق بين “إجابة السائل” وبين “إبرام المصير”.

• التنزل اليومي (سحر الأسحار ونداء الود):

ثبت في الصّحاح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

“يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ له؟”. (متفق عليه).

هذا التنزل هو “إعلان رحمة” يومي، يستهدف آحاد العباد؛ للمنكسرين خلف أسوار الصمت، للمستغفرين الذين أرهقتهم الذنوب. إنه تنزل “إستجابة” يبحث فيه الحق سبحانه عن “يدٍ ممدودة” ليملأها، و”قلبٍ منكسر” ليجبره.

يقول الإمام ابن القيم:

“الفرق أن “تنزل” كل ليلة هو “تنزل” (إجابة وعطاء)، لرفع حاجات العبد، هو ‘خلوة’ يفتح الله فيها باب ملكوته للفرد ليغيّر واقعه بالدعاء”.

أما في ليلة القدر، فإن “التنزل” ينتقل من حيز “الإستجابة لطلب العبد” إلى حيز “إبرام قضاء الرب”.

ف”تنزل” ليلة القدر: “تنزل”(العرس الكوني وهيكلة الوجود).

في ليلة القدر، لا يقتصر الأمر على تنزل آثار الذات العلية بصفات الرحمة، بل يرافقه “إحتفالية كونية” بهبوط جيوش الملكوت، فهي (مفرق الأمر الحكيم).

يقول الإمام الفخر الرازي:

“التنزل” الليلي هو إعطاء السائل سؤله (تلطفا)، أما تنزل ليلة القدر: فهو فصل القضاء وتوقيع الأقدار لعام كامل (تثبيت أحكام)؛ فالأول لتلبية الحاجات، والثاني لرسم المسارات”.

في هذه الليلة، ينتقل “الغيب” إلى “شهادة”؛ حيث تُسلّم صحائف الأقدار من اللوح المحفوظ إلى أيدي الملائكة المنفذين (جبريل، ميكائيل، إسرافيل، ملك الموت) لتبدأ صياغة أحداث السنة القادمة، فهي ليلة(العبور الملكوتي)

يقول المفسرون:

“أن “التنزل” الليلي هو فرصة العبد ليطلب “تغيير” القدر، بينما ليلة القدر هي لحظة “كتابة” القدر؛ فمن واظب على السؤال في الأسحار، كُتب له الفضل في صحيفة القدر. ف”التنزل” اليومي فرصة للعبد لتقديم “المسألة” “السؤال” و”التنزل” في ليلة القدر لحظة صياغة “القضاء”

يقول الحافظ ابن حجر:

“إن تنزل الملائكة والروح في ليلة القدر له هيبة العرض العسكري الإلهي، فكأنهم ينزلون لمباركة الطائعين وتأمين دعائهم وشغل الفراغ بين السماء والأرض بالبركة”.

يقول الإمام ابن القيم في (زاد المعاد): “تنزل الرب كل ليلة هو تنزل إجابة، أما في ليلة القدر فهو تنزل تقدير، يفرق فيه كل أمر حكيم للسنة القادمة”

يقول الشيخ الشعراوي:

“انظروا إلى جمال الربوبية؛ في كل ليلة ينزل الحق “ليسمعك” أنت (لقاء خاص)، وفي ليلة القدر ينزل “ليُسمِع” الوجود كله حكمه فيك (لقاء عام).

وفي كل ليلة يعطيك ‘مُلحّات’ يومك، وفي ليلة القدر يعطيك ‘دستور’ عامك.

ف”التنزل” الليلي هو ‘موسم الزراعة’ بالدعاء، وليلة القدر هي ‘موسم الحصاد’ بكتابة الأرزاق.

فالحق سبحانه ينزل في السحر ليقول لك: اطلب ما تشاء، ثم ينزل في ليلة القدر ليقول للملائكة: اكتبوا لعبدي ما طلب”.

في ليلة القدر، خُص الحق تبارك وتعالى”الروح” (جبريل عليه السلام) بالذكر:

“لأنه السفير بين الملكوت والملك. فنزوله في هذه الليلة هو “إقرار للوحي” وتجديد لصلة الأرض بالسماء التي بدأت بنزول القرآن أول مرة.

يقول الحافظ ابن حجر في (فتح الباري):

“نزول جبريل في هذه الليلة لا يكون إلا لأمر عظيم، فهو لا ينزل لمجرد “الإستغفار”، بل ليشهد (مفرق الأمر الحكيم) إيذاناً ببدء تنفيذ أقدار الله في خلقه”..

التجلي وأسرار الدعاءحين تفيض أنوار العفو:

إن ليلة القدر هي ليلة “الإستجابة المطلقة”، حيث يلتقي فيها إجتهاد العبد في “التخلية” مع فيض الرب في “التجلي”، فتصبح الدعوة فيها سهمًا لا يخطئ مرماه من عرش الرحمن.

• حقيقة التجلي الإلهي في ليلة القدر:

التجلي في ليلة القدر ليس مجرد شعور وجداني، بل هو “إشراق” لآثار صفات الجمال والرحمة على قلوب العارفين.

يقول الإمام الفخر الرازي (التفسير الكبير):

“التجلي في ليلة القدر هو تجلي ‘قبول’، فالله سبحانه يرفع الحجب عن قلوب المؤمنين لتتذوق حلاوة مناجاته، وهو تجلي ‘أمن’، فلا يُقدّر فيها إلا ما هو خير للمؤمن”..

فإذا كانت الملائكة “تتنزل” لتشهد الطاعة، فإن الحق سبحانه يتجلى ليثيب عليها بغير حساب.

ف”التنزل” حركة ملكوتية، والتجلي فيض إلهي يغسل أدران القلوب.

سر طلب “العفو” في هذه الليلة المباركة:

حين سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ عن أفضل ما تقول، أرشدها لقول:

“اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”. (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح).

يقول الإمام المناوي: “

العفو هو محو أثر الذنب من الصحيفة ومن الذاكرة؛ فالمغفرة ستر، أما العفو فهو مسح تام، كأن الذنب لم يكن قط”.

يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي:

“إنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الإجتهاد في الأعمال فيها، لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملاً، بل يرجعون إلى سؤال العفو، كحال المذنب المقصر”.

الدعاء كأداة لتغيير الأقدار:

في هذه الليلة، يتصادم “الدعاء” الصاعد مع “القدر” النازل.

حيث يذكر العلماء أن الدعاء في ليلة القدر له خصوصية؛ لأنه يقع في لحظة “إبرام المقادير”، فكأن الله يريد منك أن تدعوه في تلك اللحظة ليجعل دعاءك جزءاً من قدرك المكتوب للسنة القادمة.

وعن تخصيص طلب العفو في ليلة القدر يقول الشيخ الشعراوي:

“تأملوا في قوله ﷺ: ‘تحب العفو’؛ فالله سبحانه وتعالى لا يعفو عنك على كره منه، بل يعفو لأنه يحب أن يرى أثر صفة العفو في عباده. والتجلي في ليلة القدر هو تجلي ‘حنان’، لدرجة أن العبد لو علم ما لله من عفو في هذه الليلة لاطمأنت نفسه طمأنينة لا يزلزلها خوف. ويضيف: الدعاء في ليلة القدر ليس مجرد طلب رزق أو مال، بل هو ‘طلب صلح’ مع الله، فإذا تم الصلح، أتتك الدنيا وهي راغمة”.

ثالثا: خلاصة الوقفات التدبرية:

• في ليلة “القدر”يذوب الحجاب بين عالم الغيب والشهادة لتطهير الأرض ببركة السكينة العليا، وتتزاحم الأنوار في لقاء “تنزل” الرب مع تنزل الملائكة والروح طوال الليل ليفيض الأمان الشامل، والعفو(المحو والترك) هو غاية المؤمن المنيب، ليبدأ “القدر” الجديدة بصفحة بيضاء كأنه وُلدت للتو في عالم الملكوت.

• إن الله يُقدّر في هذه الليلة أمر السنة، فيقضي بموت من يموت، وبعزّ من يعز، وبكل ما أراده سبحانه في تلك السنة، ثم يدفعه إلى الملائكة (جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت) ليقوم كلٌّ بمأموريته، فالتقدير هنا هو “التقدير السنوي” الذي يُنقل من اللوح المحفوظ (التقدير الأزلي) إلى صحف الملائكة، وفيها: البتّ في الأرزاق والآجال فاحرص أن تتعرض لنفحاتها.

• أخيرا: ينزل الحق في كل ليلة ليسمعك أنت، وفي ليلة “القدر” ينزل ليُسمِع الوجود كله حكمه فيك، فاستعد وشد المئزر لإستقبال هذه الليلة المباركة.

اللهم إنك عفو مريم تحب العفو فاعفو عني

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ ،صاحب القدر العظيم صلاة تليق بجلال وجهك العظيم.

نواصل غدا بمشيئة الله تعالى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى