
ظل الشيخ الدكتور حسن عبدالله الترابي في حياته و يظل بعدها فلتةً من فلتات العلم و السياسة و الاجتماع و القيادة . ذلك ما تحاكيه مواقفه المعاشة و اجتهاداته الفكرية و التجديدية التي كلما مضى الزمان يظهر حاجته اليها و مطابقتها واقع العصر …
مطلع التسعينات من القرن الماضي لنا معه قصتان صارتا مطلباً من متطلبات حياتنا اليوم …
الأولى : أن قبيلة من عرب النيل الابيض نزحت جراء جفاف الثمانينات الى مشروع الجزيرة و استوطنوا حول القرى و الغيط مما سبب ازعاجاً لاصحاب المشروع و زعماء هذه القبيلة . فذهب وفد و كنت من ضمنه إلى الشيخ حسن لمعالجة الاشكاليات و كان الخيار الأولى عودة النازحين إلى قراهم …
لكن الترابي له رأي آخر حيث يرى أن الكوارث و النزوح أسباب للتمازج القبلي و التصاهر الاجتماعي . و هو ضرب من ضروب السعي في الارض و تجديد أسباب الرزق و تغيير نمط القبيلة في اسلوب الحياة و غلق مجتمعها …
و عندما قوبل هذا الرأي بتمسك الزعماء في الاحتفاظ بهوية قبيلتهم و اغلاقها في التقليدية ، قال الشيخ : إن مشكلات السودان الموروثة كلها تكمن في التعصب و الانكفاء القبلي ، و يرى أن هذه البلاد لابد ان تتخلص منه ، و أنه يسعى أن يكون السودان كله لساناً واحداً و لوناً واحداً و هويةً واحدةً …
الثانية : في منتصف التسعينيات توسعت دائرة المشاركة السياسية بصورة ملحوظة و دخل المايويون و قيادات كبيرة من الاحزاب التي عاثت في الارض فساداً أيام الديمقراطية الثالثة فذهبنا نشتكي للشيخ تداعيات هذا الانفتاح و اثره في الفساد …
كان رده و ببساطة شديدة أن السودان للسودانيين البر و الفاجر و ما جاءت الحركة الاسلامية إلا أن ترتب شئون البلاد ثم تفتحها لأهلها مشاركةً حرةً و حقاً تكفله الاخلاق و القوانين و الدستور الذي يأتي بعد …
و في رأيه ان لابد أن يصحب ذلك توسع في محاربة الفساد و المحسوبية و سن القوانين التي تحمي الدولة و المجتمع . و ختم حديثه أن وسعوا مواعين العدالة يستقيم الامر و لا تحجروا حق المشاركة …
و الحق أن ما قاله الشيخ حق و عين الحق رغم أننا كنا ننكر عليه ذلك لقصر نظرتنا مع اتساع رؤيته العظيمة
و إذا كانت هذه مسالك الحركة الاسلامية على مستوى قيادتها العبقرية ، فكيف تكون حركةً ارهابيةً ؟ كيف تكون كذلك وهي تنتهج المرونة في الفكر و تنتهج الامانة صدقاً و عدلاً و تنتهج الوسطية في مناهج التعبد و التعامل ؟
إنها بهذه الرؤى و ذلك الفكر و تلك الممارسة الفعلية ، سلطة المجتمع وقوة الشعب ، فلن يستطيع الغرب محاربتها مهما اصطنع من عملاء و مهما صنع من قوانين ووضع من تهديد و تهويد …



