
كما ظلت الادارات الاهلية على مدى تاريخها بالبلاد وسيلة الدولة للوصول الى الشعبية القاعدية ظلت أيضا علة الدولة في انتاج المجتمع المتجانس و المجتمع الواعي و الواعد …
و مهما كانت لها من قوانين فإنها لم تلامس العلة الرئيس و الداء العضال بل بقيت تدير مصالح من الدولة قاصرة و مصالح تلكم الادارات التقليدية …
لا أقول ذلك انتقاصاً للأدوار العظيمة التي قامت بها الإدارة الشعبية ( الأهلية ) في الحفاظ على سلم المجتمعات ، و لكنني أعني ذلك الجمود الذي أنتجه قصور الجهات المعنية في صناعة القانون المعني …
و الواقع الذي يجب أن نعترف به جميعا أن معظم مشكلات البلاد الأمنية والسياسية والاقتصادية ترجع إلى القبيلة و القبلية و ترجع إلى نظم الدولة التي لم تتطور بتطور الحاجيات و التطور نفسه …
إذ لم تتخذ الدولة القبيلة لتذويب القبلية . لم تتخذها وسيلةً لانتاج المجتمع المتآلف و الانسان الذي يقبل بعضه . بل عملت على ان تحتفظ كل قبيلة بمجتمعها المغلق و بحواكيرها من الارض و الماشية و الزراعة . كأنها تعترف بفصل الكيانات الاجتماعية جزراً مفصولةً عن بعضها داخل الدولة الواحدة . مما تسبب في نزاعات دارفور و كردفان و اجزاء كثيرة من السودان …
لست ضد الاحتفاظ بالقبيلة ككيان اجتماعي تتعارف فيه الانساب و تتصل فيه الارحام كما ورد تأصيلًا عن النبي صلى الله عليه و سلم و لكنني أرى أن النظام السوداني لم يخدم تصاهر القبائل الداعية له سنن الصحة و الدين ( اغتربوا لا تضووا و اغتربوا تصحوا ) …
فقانون الادارة الاهلية المرتجى يجب أن يأخذ في حسبانه انتاج الانسان السوداني و ليس انتاج القبيلة ؛ بمعنى تذويب القبيلة في القبائل مع الاحتفاظ بالعشيرة كحد أدنى لتواصل الارحام و ذلك في المنظور البعيد ( الخمسين سنة القادمة ) …
هذا المقصد – فيما بعد – يقصر الظل الاداري الاهلي و يحتفظ بالنظار و العمد والمشايخ في المرحلة الحالية و يخلق نسيجاً اجتماعيا مترابطاً تقل فيه نزعة العصبية …
ويجب اعادة النظر في نظام الحواكير و تداخل المراعي بصورة تجعل ملكية الارض للدولة لا للقبيلة و تجعل حرية التنقل و الارتحال ( العشائري و الفردي ) مشاعا للسودانيين كافة …
يجب أن تكون القومية مبدأً أساساً من مبادي قانون الادارة الاهلية و يجب أن تكون هذه الادارات عبارة عن موسسات أهلية يكفل النظام كيفيات تكوينها و مدد آجالها . لا أن يجعلها في يد شخص واحد يرثها و يورثها و يتحكم فيها كيفما كانت المصلحة أو الهوى …
و في ختام مأمولات النظام الاهلي أن على الدولة و بوجه اللزوم انتداب الخبراء الاجتماعيين و القانونيين و رجالات الادارة الاهلية نفسها لصناعة انسان سوداني جديد . يكون ركيزةً للتنمية المستدامة و المتوازنة و لا يكون علةً عليها كما سلف …


