التاريخ الإجتماعي: كمٌّ مهمل حفظته الذاكرة الشعبية
رصد وتحليل: عمر مختار حاج النور

في الربع الأول من عام 1994 شهدت قاعة الشارقة بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية في جامعة الخرطوم حدثاً أكاديمياً إستثنائياً فريدا تجاوز كونه فعالية أكاديمية معتادة ليصبح تظاهرة ثقافية مشهودة.
كانت المناسبة مناقشة بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير بعنوان:
“دور أغاني البنات في حفظ وتوثيق التاريخ الإجتماعي” مقدم من الباحثة نجلة الأستاذ الراحل عبد الله رجب صاحب ومؤسس جريدة “الصراحة”
لم تكن القيمة في عنوان البحث ومحتواه فحسب بل كانت أيضا في قامات لجنة المناقشة التي تشكلت من أعلام الفكر والأدب والتراث إذ إعتلى المنصة:
• البروفيسور عبد الله الطيب
• بروفيسور يوسف حسن مدني (رئيس قسم الفولكلور بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية)
• الأستاذ الطيب محمد الطيب (الباحث المتخصص في التراث والأدب الشعبي).
على غير العادة في مثل هذه الفعاليات الأكاديمية التي عادة ما تعقد في هذه القاعة وقبل الموعد المضروب لبداية المناقشة غصت القاعة بحضور كبير تداعى من كل حدب صوب مدفوعين بشغف المعرفة والجلوس إلى والإستماع لكبار العلماء بعض الحضور من أتت المحفزات التي أعلن عنها الملصق الدعائي عن الفعالية حيث تضمن برنامج المناقشة تقديم نماذج غنائية حية بطقوسها توثق للنطاق الزمني للبحث تناوبت على تقديمها مغنيات ذائعات الصيت في هذا الضرب من الغناء:
• المغنية نصرة
• المغنية قسمة
• الشابة الصاعدة آنذاك المغنية عوضية عز الدين.
فقد جمعت القاعة المهتمين بموضوع البحث والراغبين في المعرفة وهواة الإستماع للأغاني.
قبل الخوض في موضوع البحث ومتون وحواشي الرسالة الأكاديمية نريد أن نتوقف قليلا لنسلط الضوء على حقيقة تاريخية وهي أن الغناء منذ فجر التاريخ الاجتماعي السوداني ظل ممارسة ثقافية وإجتماعية إحتكرتها النساء بصورة شبه مطلقة.
هذا التخصيص الجندري للغناء يستمد جذوره من عمق الموروث العربي القديم حيث كانت “القينة” وهي المرأة ذات الحظوة في قصور الملوك وبيوت السادة هي التي تقوم بالغناء والعزف على العود وإلقاء الشعر والتسرية عن سيدها بالرقص والحديث اللبق فقد كانت “القينة” وقتها تمثل “الوسيلة الإعلامية والفنية” وشاعرة القبيلة ولسان حالها الذي يمدح ويهجو ويوثق المآثر والأنساب.
تحكي كتب السير والأخبار أن أحد سادات العرب جاءه مغني فمنع دخوله عليه وإمتنع عن الإستماع إليه وإستكره غناءه في مجلسه قائلا :
“إني أحب أن أسمع الغناء من ثغر أشتهي أن أقبله”
ويحكى أيضا أن الإمام مالك كان في صغره مغرما بالمغنيين من عصره وكان من الغاويين الذين يرتادون مجالس الشعراء والمغنيين إلى أن صدته أمه بقولها:
“بئس الغناءالذي يخرج من بين الشارب واللحية” فانكب على دراسة العلوم الدينية ومجالسة العلماء حتى أصبح أحد أشهر أئمة المذاهب الأربعة.
في السودان حيث سيادة الثقافة العربية على غيرها في موروثاتنا الغنائية فقد ظل هذا الخيط موصولا وانبعثت هذه الروح لتجعل من صوت المرأة هو الأداة الإعلامية والتوثيقية الأولى للمجتمع في وقت تمنع فيه التقاليد الرجال من إمتهان الغناء.
هذا التقسيم الصارم أفرز نظرة مجتمعية قاسية تجاه الجيل الأول من الفنانين الرجال الذين تجرؤوا على إرتياد هذا الفضاء في بدايات القرن العشرين إذ جابه المجتمع ظهورهم بوصم مهين قاسِِ يصل في بعض المناطق إلى حدِ الإنتقاص من رجولة المغني الرجل وقد تنوعت طرق محاربتهم تارة بتسميتهم “الصعاليك” وتارة أخرى ب”الصُيٌاع” وقد أُعتُبر غناء الرجل خروجاً عن مقتضيات المروءة والرجولة ومروقاً عن السائد من القيم مما جعل مسيرة المغنيين السودانيين في بداياتها معزولة ومستهجنة إجتماعيا قبل أن ينالوا الإعتراف الكامل والرضا والقبول.
عليه فليس من المسغرب والحال هكذا أن نجد أغلب موروثاتنا الغنائية وتاريخنا الإجتماعي صاغته وحفظته أغاني النساء.
إذ أنه وعلى النقيض من تضييق الخناق على الرجل المغني فقد كان فضاء المرأة الغنائي يتسع ليشمل حياة الإنسان من المهد إلى اللحد حيث تبدأ هذه الرحلة التوثيقية بأغاني الهدهدة المعروفة بـ(اللولاي) وهي مناجاة أمومية باكرة تسكب فيها الأم حنينها وحبها على طفلها الرضيع وعندما يشب عن الطوق قليلا تغذي وعيه بترنيمات تحمل معاني قيم الشجاعة والكرم وفضائل الأعمال والصفات وذلك أخذا بالقول الشعبي السائد أن:
“السيف يسنه الحجر والولد يسنه الشكر”.
ومن ثم تشعب الغناء أفقيا وتناسل رأسيا ليمجد العزوة والسند حيث إرتفعت الأهازيج ثناءً وفخراً بالأخ والوالد والخال كرموز مجتمعية تعلي من شأن العشيرة وتعزز قيم التكافل والحماية.
يلاحظ الراصد أن هذه المنهجية في تناول محل وموضوع الأغاني شمل أيضا الشق المأساوي في المجتمعات إذ تناولت الأغنية النسائية بعمق أدب المراثي والبكائيات المعروف بـ(المناحات) فالمناحة عند نساء السودان ليست مجرد بكاء مرسل بل هي طقس أدائي مهيب تصاحبه طقوس حركية بإستخدام السيف تعبيراً عن جلل الفقد وجلال الفقيد وعلو شأنه وسمو مناقبه.
عادة ما تكون المناحات مصحوبة بأداء حركي تعبيري وقد أشتهرن نساء الأشراف النميراب الخفاب في منطقة “سلم النميراب” غربي مدينة بربر بإجادة هذه الطقوس الأدائية الحركية الجنائزية ويسمى عندهنٌ بـ (المدا).
وفي ذات السياق الوجداني الممتد نحو الغيب والمتعلق بالماورائيات يبرز أيضا أدب (النديهة) وهو تجسيد شعري وثقافي لمراسم وطقوس زيارة النساء لمقامات الأولياء والصالحين ومراقد وأضرحة وبيان العارفين حيث يتحول التوسل بالصالحين والتضرع لرب العالمين إلى مناجاة مسجوعة هي أقرب إلى الشعر المقفى عند طلب ورجاء البركة والشفاء وتيسير الأمور وفي مقاطع النديهة نجد توثيق مفصل للحياة الدينية عموما في المجتمع السوداني والأدب الصوفي على وجه الخصوص.
كان غناء البنات في السودان هو المعبر عن الأعجاب بالرجل في مقام الحبيب ولما كان البوح بمثل هذه المشاعر من المحرمات في المجتمع السوداني وقد تصل لدرجة الجريمة الأخلاقية ووصمة إجتماعية تلحق العار بالفتاة وأسرتها فقد عمدت الفتاة السودانية لإستخدام شفرات العشق وترميز فارس الأحلام تعبيرا عن العاطفة المحجوبة والمكبوتة فقد إبتكرت المرأة السودانية “أغاني البنات” كقناة سرية للتعبير العاطفي وأمام هذا الحظر الصارم لجأت الفتاة السودانية إلى آلية الترميز بالمهنة للإشارة إلى فتى أحلامها في جلسات الأنس الخاصة بهن إلى أن تطور لما يعرف ب “أغاني السباتة” دون أن تكشف عن هوية المحبوب أو البوح بإسمه فصار “المحبوب” يُعرف بمهنته ووظيفته التي تضفي عليه وجاهة إجتماعية وفخراً.
وقد تمدد فضاء هذه الأغاني ليشمل فئات مهنية بعينها نالت حظاً وافراً من التبجيل في الوجدان الشعبي حيث غنت المرأة للمدرس والمهندس والطبيب والدبلوماسي وضباط القوات النظامية بمختلف رتبهم ووحداتهم غير أن بوصلة الشاعرية النسوية إنحازت – دون كل هذه الفئات – نحو ضابط الشرطة وخصته بفيض كبير من الإهتمام والتقدير ولم يكن هذا الإحتفاء مرسلاً أو مبذولاً لكل من إرتدى البذة العسكرية بل كان التركيز متجهاً بدقة متناهية صوب الضابط الذي يعمل في دهاليز الجنايات والمباحث دون سواها من أعمال الشرطة الإدارية أو الخدمية الأخرى وفي هذا التخصيص يتجلى الوعي الناضج والذكي بمقومات الفارس ومحددات النجاح إذ ترى المغنية في ضابط الجنايات تجسيداً حياً لصفات الجسارة والذكاء والقدرة على فك طلاسم الجرائم الغامضة ورد الحقوق وإستعادة المفقودات سواء أكانت “أشياءً أو أحياءً” ومكافحة الجريمة وردع المتجاوز، لذلك حفلت الذاكرة الغنائية السودانية منذ نشأة الشرطة بتشكيلها الحديث بالعديد من أسماء ضباط صاروا أيقونات على لسان الشاعرات إذ لم تكن المغنيات يستنكفن أو يترددن في ذكر إسم الضابط تصريحاً لا تلميحا خلافا لما إعتدن عليه من ترميز خفي وتلميح موارب مع أصحاب المهن والوظائف الأخرى.
في هذا السرد نمسك عن إيراد أسماء الضباط والمناسبات التي ضجت بها الأغنية النسائية مستثنيين اسماً واحداً ومناسبة معينة ولا نفعل ذلك من باب الإنحياز لبطل الواقعة وإنما لثقتي المطلقة في صدق الرواية وإحاطتي التامة بتفاصيل وقائعها وتسلسلها التاريخي، فقد إستمعت ُ إلى حيثيات تأليف هذه الأغنية كِفاحا ومن فم المغنية صاحبة النظم والمناسبة نفسها حينما تفضلت بتقديمها كنموذج حيّ وشاهدٍ توثيقي في تلك الفعالية الأكاديمية المشهودة بقاعة الشارقة والتي أوردتها في صدر هذا المقال.
هنا تعود بنا عقارب الزمن إلى منتصف العام 1981 لنوثق قصة الأغنية التي قيلت في حق الضابط صلاح الدين عثمان وراق وهو الضابط الذي إستطاع بحنكته وحسه الأمني من إستعادة الذهب المسروق من المطربة الشعبية الشهيرة “نصرة”. ولعل ما ضاعف من صدى هذا الإنجاز الأمني وجعل الأغنية تنتشر كإنتشار النار في الهشيم هو تزامن نجاح هذا الضابط مع إخفاق مباحث بحري – آنذاك – في إستعادة سيارة (بوكس) مسروقة من أمام منزل الفنان الكبير عبد الكريم الكابلي وبحكم مكانة الكابلي الرفيعة وشبكة علاقاته الممتدة والنخبوية فقد تحولت واقعة سرقة سيارته إلى قضية رأي عام ملأت الدنيا وشغلت الناس وأحدثت زخماً كبيرا حيث إلتقطت المغنية “نصرة” بذكائها الفطري هذه المفارقة في نظمها فجاءت الأغنية في مجملها إطراءً على كفاءة الضابط صلاح وراق الذي إسترد لها مسروقاتها يقابله تعريضٌ لاذع بزملائه في مباحث بحري الذين عجزوا عن إسترداد سيارة الكابلي رغم الهالة الإعلامية والزخم الكبير والإهتمام المتعاظم من قيادات الشرطة الذي صاحب سرقتها وبذلك تحولت الأغنية من مجرد شكر عابر إلى صك كفاءة مهنية خلدته الذاكرة الشعبية.
هذه الواقعة _في ظني_ كان لها مفعول السحر في رسم مستقبل الضابط صلاح وراق في مجال العمل الجنائي لما وجده من دعم معنوي وتقدير كان في أمس الحاجة إليه لجهد مبذول من ضابط حديث عهد بمهنة الشرطة يتلمس أولى خطواته صعودا على سلم المجد الشرطي.
من جانب آخر فإن أغاني البنات في السودان لم تهمل جغرافيا الطموح الشخصي وتحولات الوعي العام للبنية الإقتصادية وظاهرة الهجرة والإغتراب فقد واكبت الأغنية النسائية حركة الإرتحال فالتفتت نحو “المغترب” ولم تكتفِ المرأة السودانية بالغناء للمغترب ككتلة واحدة بل صنفت المغتربين تصنيفاً دقيقاً من حيث دول المهجر ففرقت وفاضلت بين مغترب دول الخليج ( السعودية أو الإمارات قطر) ومغترب ليبيا واليمن بتصنيف واعي يكشف عن إلمام واسع بطبيعة وحركة الأقتصاد ونمط المعيشة ومستوى الثراء والعائد المادي في كل بلد من بلاد الإغتراب، وقد دخلت سيارات المغتربين بأنواعها وموديلاتها المختلفة ضمن مؤشرات بورصة التقييم.
نشير إلى أنه قبل ذلك فقد تغنت المرأة السودانية وإحتفت برجال الدين والطرق الصوفية والزعامات القبلية والأهلية والرموز الإقتصادية ورجال المال والأعمال والرياضيين في شتى المجالات وكافة أصحاب المواهب وذلك دون رابط مباشر من رحم أو دم قرابة.
لم يكن فضاء الأغنية والشعر النسائي في السودان منحصراً في رصد الإيجابيات أو مقتصراً على مدح المحسن وتمجيد البطل فحسب فقد كان أداة إعلامية صارمة أيضا لإنكار التقصير وذم المقصر وتقريع المتقاعس عن مقتضيات العرف والقبيلة.
فقد إمتلكت المرأة سلطة “الهجاء” كسلاح معنوي فتاك يهابه الناس إذ كان شعرها بمثابة محكمة علنية تصم المتقاعس بالعار وتجرده من المروءة.
لعل النموذج الأبرز والأشد قسوة في تاريخنا لسطوة الكلمة النسائية يتجلى في سيرة الشاعرة “شغبة المرغومابية” وهي شاعرة مجيدة عاشت في بادية البطانة خلال القرن السابع عشر وقد تميزت شغبة بغناء الحماسة والفخر وحث أفراد قبيلتها وعشيرتها على القتال وقد أشتهرت بأنها كان سليطة اللسان قاسية الكلمة على من يخرج عن تقاليد وأعراف القبيلة ولم يسلم من حدة لسانها الصارم حتى إبنها “حسين” حين تقاعس عن عادات قومه في الغزو والفروسية وسلك طريق الزهد والعبادة والإعتزال في “الخلوة” حيث إعتبرت هذا السلوك خذلاناً ل وخروجا على عادات قومها ومجتمعها فهجته بقصيدة لا تزال الذاكرة الشعبية تحفظها كأعلى صور التقريع حيث تبرأت من أمومته قائلة:
يَا حُسَيْن أنا مَانِي أُمَّكْ وَإِتَ مَاكْ وَلَدِي
بَطْنَكْ كَرِشَتْ غِيِّ البَنَاتْ نَافي
دَقنَك حَمَسَت جِلْدَكْ خَرشْ مَا فِي
لَاكْ مَضْرُوبْ بِحَدِّ السَّيْف نُكْمِدْ فِي
وَلَاك مَطعون بِلِسَانِ الطَّيْر نفصِد فِي
متِينْ يَا حسين أَشوف لَوْحَكْ مُعَلَّقْ؟
لَا حُسَيْن قَتَلْ لَا حسيْن مفلق
لَا حسين رِكب للْفي شَايْتُو غلق
قَاعد لِلذكَاةْ ولقيط المحلَق
تأسيساً على ما تقدم يتضح أن “أغاني البنات” في السودان لم تكن مجرد راصد ومدون عابر لحركة المجتمع الثقافية والاقتصادية والإجتماعية والدينية فحسب بل كانت فاعلاً حقيقياً وموجهاً أساسياً أسهم في صياغة الشخصية السودانية وتشكيل الوعي العام.
فمن خلال تناولها للمهن وتحليلها للإغتراب ورفعها من شأن المتعلم والمثقف تحولت هذه الأغاني إلى محفز إجتماعي غير مباشر يدفع الشباب للضرب في أرض الله الواسعة طلبا للرزق الحلال والإجتهاد في التحصيل العلمي والأكاديمي والمثابرة لنيل الترقي الوظيفي وذلك من خلال تناولها لأحوال تعكس المزاج العام لما ينبغي أن تكون عليه شخصية الرجل.
من هذا التوثيق الممتد في الوجدان نعود بذاكرة المشهد إلى داخل “قاعة الشارقة” حيث الوقار الأكاديمي التقليدي لأصحاب المنصة وقد تملكت الحضور الدهشة والإستغراب عندما تخلى البروفيسور عبد الله الطيب عن قواعد اللغة العربية الصارمة وتحدث بلسان غير الذي ألفوه حيث لم يتحدث هذه المرة بالعربية الفصحى الجزلة التي أسر بها القلوب ولا بلغة “الفرنجة” التي كان يباري بها مثقفي الغرب بل إنطلق يتحدث بالدارجة السودانية “القحّة” وعاميتها اللطيفة وقد كشفت تلك الإفاضة للحضور عن إلمام عميق لا يقل شأناً عن تمكن البروف من لغة الضاد حيث طفق يفكك سيكولوجية المرأة السودانية وما يستهويها في سحنة الرجل وخلاله مستعرضاً أدق تفاصيل البيئة الشعبية الحاضنة لتلك الأغنيات.
ولم يقف البروفيسور عند حدود القيم الرفيعة بل هبط بالتحليل الجريء إلى قاع المجتمع متناولا حياة النساء في أكثر الزوايا هامشية حيث بائعات الهوى وصانعات الخمور البلدية في “الإنداية”. وقد تجلت عبقريته التوثيقية حين شرح الحيثيات الوجدانية والبيئية التي أنتجت أغنية:
“يا أبو البدوي تزورنا مرة” وكيف تحولت وتدحرجت لتصبح عند تغير الوضع المادي ل “أبو البدوي” وخروجه من السجن معدما
“غادي غادي يا أبو البدوي السل بعادي”.
وفي جاتب آخر أشد عتمة وأكثر هامشية فقد كان البروفيسور ملما ب”تمتمات الفداديات” مبيّناً كيف أن صانعة الخمور تطلب البرَكة من الله وترجو الرزق في تجارتها المحرمة بالتوسل بالأولياء والصالحين فكانت بعضهن تدلق كأسا من الخمر أمام باب “الإنداية” وهي تهتف بإسم شيخها تبركاً وتيمنا وإستفتاحاً لليوم وجلبا للرزق.
وهنا يلتقي تحليل البروفيسور مع رصد الأديب الراحل حسن نجيلة في مؤلفه “ملامح من المجتمع السوداني القائل “بإمكانية إجتماع وتساوق “الفضيلة والرذيلة” في موضع واحد وهي إشارة سوسيولوجية بالغة الأهمية تؤكد أن الوجدان الشعبي السوداني عبر تاريخه لم يكن يستنكف – في حالات معينة – أن تجتمع في وعيه روح التدين العفوي والرجاء المطلق فيما عند الله مع ممارسات واضحة المخالفة لشرع الله إنها جدلية “الخوف والرجاء” التي تتجاوز التناقض الظاهري والتضاد الحوهري لتبحث عن مظلة روحية تحمي الإنسان حتى في لحظات ضعفه ومروقه عن طاعة الله والوقوع في المحرمات في تداخل مدهش بين الإيمان الفطري والواقعية الإجتماعية المعقدة.
وفي ذات الجلسة المشهودة دلف البروفيسور عبد الله الطيب ليرسم بدقة الخطوط الفارقة بين الفن الملتزم بقيم الجماعة والفن الهابط حيث أشار إلى أغنية:
“لو طلعت القمرا.. الخير يا عشاي تودينا لي أهلنا”
معتبراً إياها بداية السقوط الحقيقي وعتبة الهبوط الأولى في مسار أغاني البنات.
لم يكن مأخذ البروفيسور على اللحن أو المفردة في ذاتها بل كان مأخذه على الصورة الذهنية والسلوكية المرفوضة التي كرستها الأغنية حيث تصف الشابة رفيقها بأنه يدخل “محكر الديوان” – وهو المكان المخصص لهندسة علاقات المجتمع السوداني حيث يُعقد فيه مجلس النظار والعمد والأعيان لمناقشة قضايا أمن الناس ورسم محددات مسيرهم الاقتصادي والإجتماعي – ليدخل هذا الشاب واضعاً طاقيته في غير مكانها المعتاد عاقداً إياها على أحد جانبي رأسه فيما يُعرف بـ”شِنيق الطاقية”.
إن هذا السلوك في نظر البروف يمثل خروجاً عن تقاليد وقيم التوقير والوقار فالمقام الذي دخله الشاب كان يقتضي أن يلجه خائفاً خاضعاً متأدباً لرهبة المكان وهيبة شاغليه الأكابر لا مستعرضاً بهيئة وشكل تحملان ملامح الإستهتار والتمرد على العرف المتوارث وفي رأى البروف أن الأغنية تشرعن لإهتزاز الهيبة وإضطراب معايير السلوك الإجتماعي داخل أقدس مؤسسة قبيلة وأهلية.
قبل أن نطوي هذا السرد لابد أن نشير إلى أن من كبرى خطايا التدوين التاريخي عندنا أنه تاريخ كُتب بأقلام السلطة ولأجلها تاريخ مهووس بـ”الفاعل السياسي” وحده ومنشغل برصد صراعات الكراسي وتحركات الجيوش وتقلبات الحكام ومقاعد الحكم.
في المقابل جرى تعمُّد تهميش وإهمال أدوار عظيمة ومحورية قام بها فاعلون آخرون في مناحي الحياة الدينية والإجتماعية والاقتصادية والثقافية والفنية.
إن هذا الإنحياز النخبوي للسياسي على حساب السوسيولوجي حوّل التاريخ الرسمي إلى سجل جامد ومجردٍ من روح ونفس الشعوب ونبض الشارع متناسياً أن الدول لا تبنيها المراسيم السياسية وحدها بل تصوغ وجدانها التفاصيل اليومية البسيطة والترانيم التي تُهدهد بها الأمهات أطفالهن والأهازيج التي تُشعل حماس الفرسان في سوح العطاء.
إن إهمال المؤرخ الأكاديمي للممارسات الشعبية لم يكن عجزاً في آليات الرصد بقدر ما كان قصوراً في الوعي بقيمة “الإنسان العادي” كصانع حقيقي للحضارة وقد أغفل هذا التاريخ الرسمي أن تحولاً اقتصادياً صغيراً تنبأت به أغنية فتاة في قرية نائية أو صرخة إحتجاج ضد مظلمة مجتمعية صاغتها شاعرة شعبية كانت أعمق أثراً وأبقى وعياً في وجدان الأمة من مائة خطبة سياسية أُلقيت في ردهات القصور.
ونحن على عتبات الخروج حري بنا أن نذكر بأن هذه الأغاني لم تكن مجرد تسلية عابرة أو طقس إحتفالي لتزيين الأفراح وتزجية الفراغ وأفراغ الطاقات السالبة بل كانت بمثابة “مرصد ومُختبر وجداني” تخلقت في أحشائه الهوية السودانية الحقة ونقلت إلينا تلك الموروثات التي نفاخر بها عبر الأجيال– غضة طرية – من قيم الكرم والشهامة والرجولة والإقدام عندما تدلهم الخطوب.
لقد قامت حواء السودانية بذكائها الفطري وحسها التوثيقي العالي بدور “المُحكّم الأخلاقي” فحين تغني الفتاة للفارس المقدام والكريم الشهم فإنها لم تكن تصف حالة فردية بل كانت تضع “المانيفستو” أو الدستور الأخلاقي الذي يتعين على شباب القبيلة والجيل بأكمله السير على هداه لنيل شرف الإعتراف المجتمعي وبفضل هذه الذاكرة الغنائية لم يندثر أدب الفروسية ولم تمت قيم إغاثة الملهوف لأن “صوت المغنية” ظل محفزاً للأبطال وحافظاً لسجلات الشرف التي أغفلها المؤرخ الرسمي.
ملاحظة أولى:
يطلق العامة على بعض مغنيات هذا الزمن لفظة “قونة وجمعها “قونات” وفي ظني أنها سودنة للكلمة العربية “قينة” وجمعها قيان
إن لم يكون للكلمة أصل في الدارجة السودانية.
ملاحظة ثانية:
في البيت الأخير الذي أوردناه من شعر شغبة
جاءت كلمة “محلق” ومن سياق الأبيات السابقة يفهم أن إبنها حسين قد تفرغ للمعالجة بالقرآن مقابل عطاء مادي يعرف بالبياض.
إذا كان الأمر كذلك فإن الكلمة الصحيحة تكون “مهلق” أو “مهلقات” وهي الأموال النقدية في لغة الهدندوة البداويت ومعلوم أن أرض البطانة حيث نشأت عاشت الشاعرة تعتبر منطقة تداخل إثني ولغوي.
هذا والله أعلم


