
▪️قد يبدو الخبر الذي أورده موقع “سوداني نت” عن مبادرة رجال الأعمال بولاية كسلا لإقراض وزارة المالية مبلغ (20) تريليون جنيه لسداد متأخرات المعلمين، خبراً عابراً ومحدود الأثر وسط سيل الأخبار الاقتصادية الثقيلة والمؤسفة التي تعكس تفاقم الأزمة الاقتصادية، لكنه في الواقع يحمل دلالات تتجاوز قيمته المالية، ويعكس أحد ملامح الاقتصاد في زمن الحرب.
▪️فالسودان لا يخوض حرباً عسكرية فحسب، وإنما يواجه أيضاً حرباً اقتصادية من الدرجة الأولى، تستهدف إنهاك مؤسساته وتعطيل قدراته إقعاده عن الوفاء بالتزامات الأساسية، وعلى رأسها التعليم والصحة والخدمات العامة. ومن هذا المنطلق، تكتسب المبادرة أهمية خاصة باعتبارها نموذجاً ” للتدخل الوطني ” لسد فجوات التمويل العاجلة.
▪️وتكشف المبادرة كذلك عن تحول في طبيعة العلاقة بين الحكومة والقطاع الخاص، من علاقة تقوم على الاستثمار والربح فقط، إلى شراكة تفرضها ظروف استثنائية، يصبح فيها القطاع الخاص جزءاً من منظومة “الصمود والمقاومة الاقتصادية”، وليس مجرد متلقٍ للسياسات الحكومية.
▪️كما تعكس المبادرة أن ولاية كسلا تقدم نموذجاً للاستنفار الاقتصادي المحلي، يقوم على تعبئة الموارد الداخلية وتوظيف الإمكانات المتاحة لمواجهة آثار الحرب، بدلاً من انتظار حلول المركز أو الدعم الخارجي.
▪️وفي المقابل، فإن نجاح مثل هذه المبادرات ينبغي ألا يحجب الحاجة إلى معالجة جذرية للأزمة المالية، إذ تبقى القروض والمساهمات الطوعية حلولاً إسعافية لا يمكن أن تتحول إلى بديل دائم لالتزام الدولة بسداد مرتبات العاملين وتمويل الخدمات الأساسية.
▪️ولعل القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تكمن في حجم التمويل وحده، وإنما في كونها نموذجاً وطنياً يستحق الاقتداء. فكما بادر رجال الأعمال والقطاع الخاص بولاية كسلا إلى تحمل جزء من المسؤولية الوطنية في هذه المرحلة الاستثنائية، فإن المطلوب أن تحذو قطاعات الأعمال والغرف التجارية والصناعية في بقية ولايات السودان حذوها، كلٌّ بحسب إمكاناته، دعماً لمؤسسات الدولة وخدماتها الأساسية، وفي مقدمتها التعليم.
*خلاصة القول ومنتهاه*
▪️الرسالة الأهم التي يبعث بها هذا الخبر هي أن معركة الصمود لا تُخاض في ميادين القتال وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد والإنتاج والتعليم، وأن مواجهة الحرب الاقتصادية تتطلب شراكة وطنية حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص، تتحول فيها المبادرات الفردية إلى نهج عام يعزز صمود الدولة ويخفف الأعباء عن المواطنين.


