مقالات

السودان.. المواطن وجغرافيا السيادة

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد

 د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

> لم تبدأ أزمة السودان مع أول رصاصة، ولذلك لن تنتهي عند آخرها.

فحين تضعف قدرة الدولة على إدارة الاختلاف، ويختل التوافق حول مؤسساتها، يصبح تعدد مراكز القوة أمرًا ممكنًا. وحين يتعدد السلاح خارج إطار المؤسسة، لا يتعدد السلاح وحده؛ تتعدد معه خرائط النفوذ والحماية والقرار. وعندما تتشظى هذه الخرائط، يجد المواطن نفسه أمام دولة واحدة في الاسم، ومساحات مختلفة في الواقع ،هنا قانون، وهناك قوة ،هنا مؤسسة، وهناك سلطة أمر واقع كم يروج لها البعض.

ومن هذه الفجوة تبدأ الأزمة في إعادة تشكيل جغرافيا السيادة فحين لا تعود الدولة قادرة على حماية المجال العام بصورة متسقة، تتراجع الثقة. وحين تتراجع الثقة، يصبح المجتمع أكثر هشاشة أمام الاستقطاب والخوف. ومع اتساع العنف، لا تتوقف الخسارة عند السيطرة على الأرض ، بل تمتد إلى المدرسة والمستشفى والسوق والأسرة ومكان العمل. وهكذا تتحول الحرب من صراع على الدولة إلى تفكيك تدريجي لوجود الدولة في حياة الناس.

لذلك، فإن النزوح ليس مجرد حركة سكانية، وتعطل الخدمات ليس مجرد أثر جانبي للحرب، وانقطاع التعليم ليس خسارة مؤقتة، كلها مؤشرات على اتساع المسافة بين المواطن والدولة.

وهنا يصبح السؤال عن السيادة أكثر دقة..

ماذا يعني أن تستعيد الدولة أرضًا إذا ظل المواطن بعيدًا عن مؤسساتها؟

استعادة الأرض ضرورية، لأنها تعيد للدولة مجالها الجغرافي. لكن المجال وحده لا يصنع دولة إذ يجب أن تتبعه المؤسسة، والمؤسسة تحتاج إلى قانون، والقانون يحتاج إلى ثقة، والثقة لا تُبنى إلا عندما يرى المواطن أثر الدولة في أمنه وكرامته وخدمته ومستقبله.

> من هنا يصبح الانتقال من الحرب إلى السلام سلسلة سببية لا مرحلة احتفالية.

إنهاء القتال يفتح الطريق أمام عودة المؤسسات. وعودة المؤسسات تتيح استعادة الخدمات والعدالة. واستعادة الخدمات والعدالة تخلق شروط العودة وإعادة الاندماج. والعودة الآمنة تعيد وصل الإنسان بالمكان. ومع عودة الإنسان إلى مكانه، تبدأ الثقة في الدولة بالترميم. وعندما تتراكم الثقة، يصبح السلام أكثر من توقف للقتال يصبح قدرةً اجتماعية على منع عودته.

لهذا فإن استعادة السيادة ليست محطة في نهاية الأزمة إنها الجسر الذي يجب أن تعبر عليه الدولة من منطق الحرب إلى منطق الدولة.

فالسيادة التي تحمي الأرض ولا تصل إلى الإنسان تظل ناقصة الأثر، والسلام الذي يوقف الرصاص ولا يعالج أسباب هشاشة الدولة يظل قابلًا لإعادة إنتاج الأزمة.

وهنا تأتي رؤية «الجسر والمورد»:

جسرٌ يصل القوة بالمؤسسة، والمؤسسة بالقانون، والقانون بالثقة. وموردٌ مستدام من العدالة والخدمة والفرص يمنع المجتمع من العودة إلى منابع الأزمة.

#أصل_القضية، ليست جغرافيا السيادة ما ترسمه الخرائط وحدها. بل إن جغرافيتها الحقيقية هي المسافة بين المواطن والدولة فكلما قصرت هذه المسافة، اتسعت الدولة.

وهنا بالضبط #أصل_القضية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى