
مرثية شهيدٍ اختاره الله في أكرم الأيام
اللواء ركن مهندس إيهاب محمد يوسف
ما بينك وبين الله…
كان أمرًا عظيمًا، خفيًا، صادقًا حتى آمنت الجوارح، ونطقت المواقف.
لم تكن الكلمات دثارك، بل الأفعال، ولم تكن الرتبة مجدك، بل الرجولة، والوفاء، والانحياز الدائم للحق.
وحين اشتدّ الظلام، واحتاجت الأرض من يُضيئها… تقدّمت.
لم تنتظر أمرًا ولا مجدًا شخصيًا، بل خرجت كما يخرج الأوفياء:
بقلبك أولًا، وبإيمانك سلاحًا، وبالحق في عينيك لا يزيغه ترغيب ولا ترهيب.
فكان أن اختارك الله في يومٍ ليس ككل الأيام…
الجمعة.
يوم الشهداء، ويوم اللقاء العظيم.
يوم يُرفع فيه العمل إلى السماء،
فما أكرم ما حملت، وما أطيب ما ارتقيت به.
ارتقيت شهيدًا، لا في وقت هدنة، بل في خضم المعركة،
وفي قلب كردفان التي أحببتها، وخططت لتحريرها، ورفضت أن تراها تنكسر.
لم تكن قائدًا يُلقي التعليمات من الخلف،
بل في المقدمة دائمًا، تخطّ الأرض بخُطاك،
تشدّ أزر رجالك، وتربّت على أكتافهم، وتقاتل معهم لا عنهم.
ولهذا… حين وقعت، وقفت صورتك أكبر من كل الكلمات.
سقط جسدك… فبكتك الساحات.
رحلت… فارتجّت أم درمان، ووجع الحارة الأولى ما زال يدوّي.
كل شارعٍ عرفتَه، وكل بيت جاورتَه، يحفظ سيرتك ويذرف دمعه بلا خجل.
يا إيهاب… يا من تركتنا في زمنٍ قاسٍ،
لكننا نعرف أنك لم تغب…
نراك في دعاء أمك، في دمعة أخيك، في نظرة أولادك،
وفي حنين وطنٍ يعرف أنك من خيرة أبنائه.
كيف نرثيك، وأنت أكبر من كل رثاء؟
كيف نختصرك في سطور، وأنت كنت سطورًا من المجد تمشي بيننا؟
ستبقى، لأن القادة الحقيقيين لا يموتون…
هم فقط يتقدّمون علينا إلى جناتٍ وعد الله بها الشهداء.
نعاهدك أمام الله، وأمام دمك الطاهر،
أن نبقى على العهد،
أن نحمل ما تركت من مسؤولية، وأمل، ووصية.
أن نكمل الطريق، وننتصر للحق، ونُحسن الوفاء لمن رحلوا ورفعوا رؤوسنا عاليًا.
رحمك الله رحمةً واسعة،
وجعل مقامك في أعلى عليين،
مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا.
وإنا لله وإنا إليه راجعون
د.عبدالناصر سلم حامد سلم
فيينا . النمسا


