ما بين مطار بورتسودان ومحاور كردفان…ربكة سياسية ، ودررس عسكرية
خبر و تحليل – : عمار العركي

خبر و تحليل – : عمار العركي
ما بين مطار بورتسودان ومحاور كردفان…ربكة سياسية ، ودررس عسكرية
______________________________
▪️لاحظنا جميعًا كيف انشغلت الساحة الإعلامية خلال الساعات الماضية بوصول د. كامل إدريس، حيث تركزت التغطيات والتحليلات على “مسرح بورتسودان” ومطارها، وسط سباق على تسليط الضوء على هذا الحدث. وفي الوقت ذاته، كانت قواتنا المسلحة الباسلة، إلى جانب القوات المشتركة وجهاز المخابرات العامة وكتائب البراء والمقاومة الشعبية، تقدم درسًا جديدًا في فنون المناورة والتكتيك العسكري المدهش، لا يستوعبه إلا عقل واثق ومدرك لعظمة واحترافية ومهنية هذا الجيش العظيم.
▪️ومن خلال متابعتنا اللصيقة، تمنينا نقل الصورة الكاملة لما جرى، لولا المحاذير الأمنية وسخونة المعركة التي لم تكن قد انجلت بعد، لكن يكفي أن نقول: “إن المليشيا، بعد خسائرها المدوية بالأمس، تحتاج إلى ثلاثة أو أربعة أشهر لتعويضها، واستعادة القدرة على المناورة من جديد. وحينها، وانطلاقًا من الدبيبات، سيكون جيشنا بإذن الله قد استرد نيالا وحرر الفاشر والجنينة.
▪️محاولة استعادة المليشيا السيطرة على الدبيبات والخوي، بالتزامن مع وصول الحكومة المدنية ورئيس وزرائها، بهدف إرباك المشهد ونسف أية فرص لنجاحها. إنه تكرار لنمط سبق أن رأيناه مرارًا: كلما اقتربت الدولة من لحظة استقرار أو انتقال، تشتعل الجبهة العسكرية فجأة.
▪️في خضم هذا المشهد، حطّ د. كامل إدريس رحاله في مطار بورتسودان، في توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية. وبرغم أن الرجل لم يصدر قرار رسمي بتكليفه، ولم يؤدّ القسم الدستوري لأي منصب تنفيذي، إلا أن أول تصريح له – عبر تغريدة – حمل لغة تكليف ومسؤولية، حيث قال: “أعود اليوم إلى السودان وأنا أحمل همّ هذا الشعب العظيم، وأدرك جسامة المسؤولية التي كُلّفت بها… أعود لا لأكون حملاً على كاهل الوطن، بل خادمًا لوطن ينزف، وساعيًا إلى وحدة تُنهي الحرب وتضع السودان على طريق الاستقرار، والإعمار، والعدالة”.
▪️ورغم أن مضمون التصريح يُفهم ضمنيًا كتمهيد لتحرك وطني مدني، أو بداية مشروع سياسي جديد، إلا أن الخطاب سبق الوقائع الرسمية، وترك انطباعًا بالتسرّع وعدم الانضباط السياسي، خاصة أنه تزامن مع غياب أي إعلان رسمي عن تعيينه أو اعتماد منصب له حتى لحظة كتابة هذا التحليل.
▪️إلى جانب ذلك، فإن مظاهر الاستقبال نفسها حملت رسائل مربكة، من حيث ، الحضور الأمني والقبلي المكثف والمبالغ فيه حول شخصه، والذي أضفى طابعًا طقوسيًا لا يتناسب مع طبيعة العودة المفترضة.
▪️التوقيت غير الموفّق الذي تزامن مع معارك عسكرية حاسمة، ما قلّل من رمزية اللحظة وشوّش على بعدها الوطني الجامع.
▪️غياب أي مظهر رسمي أو تنسيق مؤسسي، ما حول الحدث إلى تحرك شخصي لا يمكن تحميله دلالات تتجاوز الإطار الرمزي، وهو ما قد يضعف أي مشروع وطني إن لم يتم تداركه.
▪️لقد كان المنتظر – سياسيًا وإعلاميًا – أن تكون عودة شخصية بحجم كامل إدريس، المعروفة بسمعتها الدولية ونظافة سجلها من الاستقطاب الداخلي، عودة مدروسة التوقيت، مضبوطة الرسائل، منسقة الشكل والمضمون، ومتماهية مع الظروف الوطنية الحرجة التي تمر بها البلاد.
خلاصـــة القـــول ومنتهـــاه :
▪️إن البلاد الآن في حاجة إلى خطاب جامع، وإلى رموز تملك عقل الدولة وروح القيادة، لا إلى عروض رمزية متسرّعة، أو بيانات ذات نَفَس سلطوي قبل استيفاء الإجراءات الرسمية. فالبدايات المرتبكة تضعف حتى أقوى الرسائل، وتُفقدها وقعها في وجدان الناس.
▪️وإذا ما كانت هذه العودة مقدمة لدور سياسي قادم، فإن تدارك الأخطاء الأولية، وتصحيح الصورة الاتصالية والسياسية، ضرورة لا خيار.



