
الجامعات.. هل ينطفئ سراجها؟
في قلب الخرطوم، وفي كل مدينة وقرية، تسكن اليوم غصّة كبرى؛ اسمها التعليم العالي. لم يعد الأمر مجرد أرقام في جداول القبول، بل صار وجهاً آخر لانكسار الوطن وتصدّع أحلام شبابه. كأن الجامعات تحولت إلى بيوت مهجورة، تذبل أزهارها في صمت، وتنتحب جدرانها على مقاعد خاوية لم يطرقها طالب ولا يملؤها شغف العلم.
أي وجع هذا، حين نقرأ أن أقسام الزراعة والتربية في جامعات بأكملها لم تجد طالباً واحداً؟ وأي زمنٍ عصيب ذاك، حين تُفتح أبواب جامعة السودان التقانية لأكثر من أربعة آلاف مقعد، فلا يعبرها سوى ستة عشر طالباً فقط؟ أما الجامعات الخاصة، التي كانت واحةً للحالمين، فقد خبت جذوتها هي الأخرى، حتى باتت أروقتها تتنفس الفراغ.
وما بين فقرٍ مطبق ورسومٍ فلكية، تتلاشى أحلام الأسر. أن يبلغ ثمن مقعد الطب بجامعة الخرطوم خمسةً وعشرين مليار جنيه سوداني، فذلك يعني أن مقعداً واحداً قد صار بحجم حياة كاملة يعجز عنها أبٌ مثقل بالديون، أو أمّ تنوء تحت أعباء المعيشة.
ثم جاءت الحرب لتكمل المأساة. لم تكتفِ بتمزيق الأرواح، بل امتدت يدها الآثمة إلى الجامعات، فدُمّرت أكثر من مئةٍ منها، وتحولت بعض الحُرم إلى ثكنات عسكرية عبث بها جنود المليشيات، نهبوها كما نهبوا ذاكرة الوطن.
لكن، ورغم كل هذا السواد، يبقى بصيص أمل. فما زال التعليم هو البذرة التي لا تموت، مهما داسها الخراب. وما زال المستقبل يلوح كضوء بعيد، إن استطعنا أن نستعيد الأمن والسلام، ونضع التعليم في قلب مشروع وطني جامع، يبدأ من طفولة الحروف في رياض الأطفال، ولا ينتهي عند مدرجات الدراسات العليا.
إنها معركة وجود، لا تقل خطورة عن معارك السلاح. فبلا علم، يبقى الوطن جسداً بلا روح، وأرضاً بلا أهل. ويقيني أن إنقاذ الجامعات هو إنقاذ للسودان نفسه، وإلا فإننا جميعاً سنسير على درب “ميتة وخراب ديار”.
???? Khalidfaki77@gmail.com



