

و هل على القيام بالقيم شكر ؟ جريمة بنهر النيل تحقق القيم

لا نشكر اهلنا الذين جسدوا قيم النصرة و الكرم و المروءة و جعلوها معاني ترى بالعين و تمشي بالأرجل …
لا نشكرهم عليها و هي أصلاً جزء من حياتهم و أصل من أصولهم و غرض من أغراض وجودهم …
لا نشكرهم على ذلك ، لأن الشكر أدنى قيمةً من تلك القيم السامية و السامقة التي تتضاءل عندها معاني الجمل و العبارات ، و تنهار عندها مباني الحروف و الكلمات …
و لكنا نشكرهم على أنهم أصروا اصراراً عظيماً على أن ينشروا دروس القيم للآخرين لتكون سوابق يهتدي بها الناس و تلتزم بها النفوس و الارواح و القلوب و العقول …
فالمعلم لا يشكر على أداء واجبه المقدس . و لا يشكر على الإخلاص فيه ، إنما يشكر على اجتذاب طلابه على أن يكونوا معلمي قيم قبل أن يكونوا مهرةً في مهن التعليم …
فشكراً عظيماً أهلنا العبابدة جميعاً و عامةً و كافةً على نشر القيم و إعطاء دروسها …
شكراً إمارة العبابدة على الاهتمام بقضايا الرعايا و إدارة المجتمع من منطلق القيم و المبادي الانسانية …
شكرًا لجميع قبائل الكواهلة ( المجموعة الزبيرية ) على ما قدموه من جهدٍ و من حكمٍ و دروس قيمية في قضية ابنهم القتيل الشهيد …
شكراً أهلنا الهواوير على بعد النظر و امتلاك الحكمة و اقتفاء هدي الأنبياء و حصر الجرم على فاعله و المساعدة في احقاق الحق و وأد الظلم و تحقيق العدالة …
شكرًا للبادرة الأخلاقية التي مثلها حرصهم على البحث عن ابنهم الجاني و تقديمهم له بأنفسهم للعدالة . بل و على اصرارهم عليه بالاعتراف بالجرم و الاقرار بالقتل و انصاف الحق لا غير …
شكراً أهلنا القراريش على التدخل بالمعروف و نشر الخير بالخير و السعي لتحقيق الأمن المجتمعي …
شكرًا شرطة أبي حمد التي جسدت الدور القيمي للشرطة . و سمت بالإجراء الأخلاقي مبدأً فوق العدالة . و بالإجراء المسئول أخلاقاً فاضلةً فوق الإجراء الرسمي …
قد تحدث الجرائم وهي أصلاً جبلة بشرية و امتحانات ربانية و أقدار مكتوبة . لكن عندما تحول مثل هذه الحوادث إلى تحولات كبيرة نحو اعطاء القيم و المعالجة بالحكم فذلك يكون شيء آخر …
يكون تحول من النغم إلى النعم ، و تحول من الظلم إلى العدل ، و من الفوضى إلى الانتظام ، و من التعدي إلى الأمن …
جريمة واحدة في نهر النيل اصبحت محطةً كبرى في التحولات الكبرى و التعامل مع أحداث القتل لجعلها منصةً لانطلاق العدالة و تثبيت الامن القبلي و القومي و إشاعة المروءة و الكرم …
ميدان الجريمة في منطقة الأبيار على الحدود السودانية المصرية و القاتل من الولاية الشمالية و المقتول من النيل الأبيض …
فتعدد الجهات كان محل الاثراء القومي ، و تعدد القبائل كان محطة التعافي الاجتماعي ، و دور الشرطة مثّل وحدة السودان . إذ أن أصل الاجراءات الشرطية كان محلها ولاية البحر الأحمر . لكن الاطراف ارتأت أن يجري التعامل معها في نهر النيل …
امتداد هذه المسافات مثّل بعداً آخر من أبعاد الخلق السوداني النبيل و مثّل ترابط قبائل الكواهلة إذ أخذت رحلة الوفد من النيل الأبيض إلى أبي حمد و رجوعا أخذت سبعة أيام بيد أنها لا تأخذ اليوم أو اليومين …
ذلك لأن أي فرع من فروع الكواهلة يريد المشاركة بإكرام الوفد و يشارك و المساهمة في نشر قيم الوحدة و حسن التكريم و نبل الأخلاق …
شعب مثل هذا لا يهزم أبداً ، مفاهيم مثل هذه لن تسقط أبداً ، وعي مثل هذا حتما سيتمدد ليساهم في الأمن القومي و إخراج البلاد من ما أوقعتها فيه النظرة الضيقة و السياسة الغبية و الرؤية القاصرة …
يجب أن تسلك القبائل دورها الرائد لبث المحبة ؛ بتضامنها على نبذ المجرم و تركه لينال عقابه دون التدخل لاثارة النعرات القبلية و التعصبات الجهوية . يجب أن نكون كلنا يداً واحدة على الظالم و تعاوناً كاملاً لنصرة المظلوم . عندها حتما ننال الرضا و العفو و التعافي و تقف الحروب و ينبسط الامن و تتحقق التنمية …
