مقالات

أنوار البيان في تدبر القرآن – الحلقة رقم (9)

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور

             الحلقة رقم (9)

يقول الحق تبارك وتعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾

[سورة محمد: 24]

إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.

نتناول في هذه الحلقة من سلسلة حلقاتنا في تدبر القرآن الكريم قضية من أدق القضايا التي تمازجت فيها الحقيقة بالخيال، والمنهج بالأسطورة وهي مسألة “الولاية الإلهية” والتي رسم لها القرآن طريقاً منضبطاً، يخرجها من ضيق “الخوارق المجردة” إلى رحابة “الإستقامة المثمرة”.

فالولاية في جوهرها ليست رتبة عسكرية تُمنح، بل هي حالة ذوبان في مراد الله، تجعل العبد محفوظاً بحفظ الله، ومسدداً بنوره، وممتد الأثر حتى بعد رحيله عن عالم الفناء.

أولاً: آيات الإستدلال من الذكر الحكيم:

﴿أَلَاۤ إِنَّ أَوۡلِیَاۤءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ ۝ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴾

[سورة يونس: 62-63]

الولاية المستورة (قانون الدفع الخفي):

﴿وَلَوۡلَا رِجَالٌ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَاۤءٌ مُّؤۡمِنَـٰتٌ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِیبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةٌۢ بِغَیۡرِ عِلۡمٍ﴾

[سورة الفتح: 25]

ممتدات الصلاح (رعاية ما بعد الموت):

﴿وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَیۡنِ یَتِیمَیۡنِ فِی ٱلۡمَدِینَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحࣰا﴾

[سورة الكهف: 82]

حصر الغيب المطلق:

﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَیۡبِ لَا یَعۡلَمُهَاۤ إِلَّا هُوَ﴾

[سورة الأنعام: 59]

﴿يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥۤ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِينَ﴾

[سورة المائدة: 54]

بشرى الله لأوليائه الصالحين :

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾

(سورة يونس: 62 – 64)

العلم اللدني:

﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾

(سورة الكهف: 65)

{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}

[سورة البقرة: 282]

﴿أَلَاۤ إِنَّ أَوۡلِیَاۤءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ ۝ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ﴾

[سورة يونس: 62-63]

الولاية المستورة (قانون الدفع الخفي):

﴿وَلَوۡلَا رِجَالٌ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَاۤءٌ مُّؤۡمِنَـٰتٌ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِیبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةٌۢ بِغَیۡرِ عِلۡمٍ﴾

[سورة الفتح: 25]

ممتدات الصلاح (رعاية ما بعد الموت):

﴿وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَیۡنِ یَتِیمَیۡنِ فِی ٱلۡمَدِینَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحࣰا﴾

[سورة الكهف: 82]

حصر الغيب المطلق:

﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَیۡبِ لَا یَعۡلَمُهَاۤ إِلَّا هُوَ﴾

[سورة الأنعام: 59]

ثانياً: المتن المسنود بأقوال العلماء:

1. الميزان الشرعي وتحقيق كنه الولاية:

الولاية عند أهل السنة والجماعة ليست “كهنوتاً”، بل هي ثمرة شرعية تترتب على الإيمان والتقوى، إذ يقول الإمام ابن تيمية في مؤلفه (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) المحقق بواسطة الدكتور عبدالرحمن بن عبدالكريم اليحيى:

 أن “الولي هو المؤمن التقي”، فالناس متفاضلون في الولاية بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى. ويؤكد أن الولي لا يشترط فيها العصمة،(فلا عصمة إلا لنبي أو رسول) بل يشترط فيه دوام الأوبة والإستقامة.

أما الإمام الشافعي فقد وضع ميزانا ذهبيا ل”لولاية” الإلهية بقوله:

“إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة”. فالإستقامة هي عين الكرامة، وما خالف الشرع فهو إستدراج لا ولاية.

أما الشيخ الشعراوي فيغوص في أعماق “الولاية” بلطائفه المعهودة، حيث يقول

عن تعريف الولي:

“الولي هو مَن تولى الله بالطاعة، فتولاه الله بالمعونة والحفظ. فأنت إذا أقبلت على الله بما يحب، أقبل الله عليك بما تحب وزيادة”.

الولاية هي إنتقال من “فعل العبد” إلى “توفيق الرب”، وهذا ما يفسره الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه…».

وعن “الولاية” يقول الإمام إبن عربي في ( الفتوحات المكية) _ وهو من أهم كتبه في التصوف كتبها في بداية أمرهِ كرسالة ثم أكملها حتى أصبحت تحتوي على أكثر من 4000 صفحة_ “أن الولاية هي حالة “فناء الإرادة”، حيث لا يبقى للعبد مراد مع مراد الله، وحين يقول الحق (كنتُ سمعه وبصره)، فهذا إشارة إلى “التسديد الإلهي” المطلق، حيث تصبح جوارح الولي محكومة بالنور القدسي، فلا يسمع إلا حقاً ولا يبصر إلا عبرة”.

أما الإمام إبن القيم: فيقول: أن هذه المعية تجعل العبد “ربانياً”، فيرى بنور الله ما يحجب عن غيره، لا بطريق إستقلال الغيب، بل بطريق “الفراسة” التي هي نور يقذفه الله في قلب وليه.

سُئل الجنيد البغدادي عن الولي فقال:

“هو مَن نطق عن الله، ومشى بأمر الله وسكن مع الله”. أي أن حركته وسكونه محكومة بالوحي لا بالهوى، فالولاية تبدأ بطلب العبد لربه، وتنتهي بطلب الرب لفلان من عباده.

2. الولاية “المستورة” والحفظ ببركة

 المجهولين:

في سورة الفتح، نجد أعمق تجليات الحفظ الإلهي للبشر عبر “أولياء مجهولين”، حيث يورد الإمام القرطبي: في تفسيره أن الله منع الفتح العسكري لمكة في ذلك الوقت حمايةً لقلة من المؤمنين والمؤمنات كانوا يكتمون إيمانهم وسط الكفار. هؤلاء هم “أولياء الخفاء” الذين تدفع بهم البلايا عن الأمة وهم لا يُعرفون. وهذا يرسخ فلسفة أن “خمول الذكر” الذي قد يكون قمة القرب، فربّ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره.

وعن الولاية “المستورة” يقول الشيخ الشعراوي:

“أن الله أخفى وليه في عباده كما أخفى ليلة القدر في العشر الأواخر، لكي تحترم كل الناس، فلعلك تزدري إنساناً بسيطاً وهو عند الله وليّ، بسببه يُنزل الله المطر ويمنع العذاب، ويشتشهد في ذلك بما ورد في سورة الفتح (لم تعلموهم)، إشارة إلى أن هناك جنوداً لله يعملون في صمت، لا ترفع لهم راية ولا تُعرف لهم غاية إلا إرضاء الله”.

3. درجات “الولاية” الإلهية ومنازل القرب:

إن “الولاية” ليست درجة واحدة يقف عندها العبد، بل هي منازل يترقى فيها العبد بـ “المكابدات والمنح”، ويتدرج فيها من “الفناء في الطاعة” إلى “البقاء بالمعية”، ليبلغ درجة تجعل منه “حصناً” للأمة و”ذخراً” للذرية. هذا الترقي ليس بمحض الجهد البشري، بل هو جذبٌ إلهي يقابل صدق الإقبال بالعمل.

وقد قال الحق عزوجل في ذلك:

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾

(سورة فاطر: 32)

وقوله تعالى:

﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾

(سورة الواقعة: 10 – 11)

أوضح العلماء أن للولاية مراتب تختلف باختلاف تمكن “المحبة” و”المعرفة” في قلب العبد، وهي تراتيبية إيمانية تنقل العبد من ولاية “العوام” إلى ولاية “الخواص”.

يقول الإمام إبن قيم الجوزية في(مدارج السالكين):

“الولاية مراتب، أعلاها مرتبة الصديقية، وهي كمال الإيمان بما جاء به الرسول علماً وتصديقاً وقياماً، فكل صديق وليّ، وليس كل وليّ صديقاً”.

ويشير الإمام القشيري : “إن أول درجات الولاية هي (التوبة الصادقة)، ثم (الإستقامة)، ثم (السكينة)، حتى يصل العبد إلى (المشاهدة)، وهي أن يعبد الله كأنه يراه”.

يفرق الإمام الغزالي في (إحياء علوم الدين): بين “السالكين” و”المجذوبين” حيث يقول :

“السالك هو من وصل بجهده ومجاهدته (التقرب بالنوافل)، والمجذوب (المحبوب) هو من إختطفه نور الحق فصار محفوظاً من الزلل قبل أن يبدأ العمل. والكل في النهاية يدور في فلك (يُحبهم ويُحبونه)، فقدم حبه تعالى، على حبهم له.

يفصل الشيخ الشعراوي في مفهوم “الدرجات” وعلاقتها بحفظ الله للوليّ ولمن حوله، فيقول:

“الولاية هي أن يتولى اللهُ العبدَ، فإذا تولاه أدبه ونور بصيرته. وهناك وليٌّ هو (مُقتصد) أدى ما عليه، ووليٌّ (سابق) فنى في حب ربه. والوليّ السابق هو الذي يجعله الله ‘صمام أمان’ للكون، فببركة ولايته يحفظ الله ذريته من بعده وبوجوده يُدفع البلاء عن الأمة. ويضيف “إن الدرجات في الولاية ليست للتعالي، بل لزيادة التحمل عن الخلق”.

يضع الشيخ الشعراوي بصمته البيانية في توضيح “ميكانيكا” الولاية:

عن (يحبهم ويحبونه): يقول الشعراوي: “انظر إلى الترتيب، بدأ الله بحبه هو أولاً. لماذا؟ لأنك لو لم تكن محبوباً عنده ما وفقك لأن تحبه. فحُبك لله هو أثرٌ لحبه لك، فإذا رأيت نفسك طائعاً فاعلم أن (الولاية) بدأت من جهته هو سبحانه أولاً بتوفيقك”.

ولإستيعاب هذه المراتب والتراتيبية ينبغي فهم المسائل التالية:

أولاً: الولاية تبدأ بـ “المكابدة” وتنتهي بـ “المنحة”؛ ففي البداية يكابد العبد نفسه على الطاعات، فإذا صدق، منحه الله “الحلاوة” وجعل الطاعة هي نعيمه، فيتحول من كدح العمل إلى راحة الوصل.الولاية في القرآن ليست “منصباً” يُعلن عنه، بل هي مقام “التطابق” التام في المنهج بين العبد وربه أي أن العبد قد جعل مراده تبعاً لمراد ربه، وصار “ولياً” أي قريباً بالاتِّباع لا يفصله عن أمر الله فاصل.

ثانياً: أعلى منازل القرب هي “البقاء بالمعية”، وهي الحالة التي ذكرها الحديث القدسي: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به)، وهي درجة تجعل الوليّ “ربانياً” لا يتحرك إلا بمراد الله، فيكون غياثاً للمكروبين بدعائه وبركته.

ثالثاً: الولاية “ذخر للذرية”؛ فكلما إرتقى العبد في درجات الولاية، إمتد أثر صلاحه ليحيط بأهله ونسله، فالوليّ الحقيقي لا يعيش لنفسه، بل يترك خلفه رصيداً من النور ينفع غراس عقبه من بعده بفضل الله.

4.إنفراد الحق بعلم الغيب:

إن من أكبر الفتن والمزالق التي يقع فيها العموم هي إلصاق صفة العلم بالغيب لبعض الاولياء الصالحين.

هنا ينبغي علينا أن نقف قليلا لنفكك محل النزاع والخلط بين : “العلم” مقابل “الإعلام” لإزالة هذا الإلتباس الذي يقع فيه البعض:

في البدء نقول أن الله سبحانه وتعالى قد حسم هذا الأمر بقوله: {إلا هو}.

 يذهب الإمام النووي إلى أن إدراك الولي لشيء غاب عن الحواس لا يُسمى “علماً للغيب” إصطلاحاً شرعياً، لأن الغيب هو ما غاب عن الحس وإستأثر الله بعلمه. وإنما هو “إعلام” من الله لعبده، والفرق جوهري؛ فالعلم صفة ذاتية، والإعلام هبة عارضة لا يملك الولي إستحضارها متى شاء.

في قضية الغيب، يقف الولي على أعتاب “البرزخ الفاصل” فالغيب في حقيقته قفلٌ ومفتاح، والمفاتح إستأثر الله بها في غيب ذاته المطلق الذي لا يطّلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلاً عن وليّ.

حول الغيب: يقول الشيخ الشعراوي:

“الحق سبحانه لم يقل (عالم الغيب فلا يعلم غيبه أحد)، بل قال (فلا يُظهرُ)، والفرق كبير؛ فالإظهار فعل من الله وليس قدرة من العبد. فالله هو الذي (يُظهر) من يشاء على ما يشاء، فإذا أطلع الله ولياً على أمر غيبي، فهذا إعلامٌ من الله للعبد، وليس علماً من العبد مع الله”.

 كرامات الأولياء والفيوضات الربانية:

إن الولاية الربانية في جوهرها ليست “رتبة كهنوتية” تُمنح بصكوك، ولا هي خروج عن مقتضى البشرية ليدعي صاحبها مشاركة الخالق في خصائص ربوبيته، بل هي حالة من “الفناء في الطاعة” تُثمر قرباً وإصطفاءً

الكرامة أمراً خارقاً للعادة، يظهره الله تعالى على يد عبدٍ صالح ظاهر الصلاح، إكراماً له وتثبيتاً لمن حوله، وهي بمثابة “رسالة حب” وتأييد من الخالق لعبده الذي أفنى نفسه في طاعته.

هذه الفتوحات والفيوضات ليست مقصودة لذاتها، بل هي وسيلة لربط القلوب بالله، وإثبات أن سنن الكون طوع أمره سبحانه، وليست حاكمة عليه.

تعتبر “الكرامة” عند أهل التحقيق منحة ربانية تفيض على قلب الولي، حيث يقول الإمام فخر الدين الرازي في(تفسير مفاتيح الغيب):

“الكرامة جائزة عقلاً وواقعة شرعاً، وهي دليل على صدق العبد في إتباع نبيه، فكل كرامة لولي هي في الحقيقة معجزة للنبي الذي يتبعه”.

إن من أعظم هذه الفتوحات والفيوضات الربانية: مايُعرف بـ “العلم اللدني”؛ وهو نور يقذفه الله في القلب، يدرك به العبد من الأسرار ما لا يدركه غيره بمحض الدراسة أو الفكر، وفي قصة الخضر، نجد ملمحاً لولاية “العلم” التي تخرق ظواهر الأمور.

يقول الحافظ ابن حجر: أن العلم اللدني (من لدنّا) ليس بديلاً عن الشريعة، بل هو “فهم أعمق” لمراد الله في خلقه، فالولي يرى في البلاء نعمة مستورة، وفي المنع عطاءً خفياً، لأنه ينظر بنور الله الذي ذُكر في الحديث القدسي.

وعن العلم اللدني يقول الإمام الغزالي عن العلم اللدني: “هو العلم الذي يفتح الله به على القلب من غير سبب تعلم من خارج، بل بإشراق نور إلهي في مرآة النفس لشدة صفائها بالتقوى”.

يقول الإمام الغزالي: “أن العلم نوعان: علم “رسمي” يُؤخذ من الكتب، وعلم “كشفي” هو ثمرة مجاهدة النفس، حيث تنكشف الحقائق للقلب كما تنكشف الصورة في المرآة المجلوة”.

الإمام مالك بن أنس: يقول: “ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلب”. وهذا النور هو جوهر الفتح الذي يجعل الولي يرى أبعاد المقاصد لا مجرد رسوم الألفاظ.

الإمام فخر الدين الرازي: يشير إلى أن الولي إذا إنقطع قلبه عن الشواغل، فاضت عليه المعارف من عالم الملكوت. وهذا يفسر كيف كان بعض الصالحين يتحدثون بعلوم لم يسبقوا إليها، وهو ما يُسمى “بوارق الحق”.

يضع الشيخ محمد متولي الشعراوي

 إمام الدعاة يده على “سر الصنعة” في الفتوحات الربانية بلطائفه الدقيقة:

عن (ويعلمكم الله): يقول الشعراوي رحمه الله: “إياك أن تظن أن التعليم مقصور على المعلم والسبورة والمنهج. هناك تعليم مباشر من الخالق للخلق (وعلمناه من لدنا علماً). ولكن هذا التعليم له (ثمن)، وثمنه هو التقوى، فبقدر ما تتقي، بقدر ما يفتح الله عليك من أسرار كتابه وأسرار كونه”.

لطائف الشيخ الشعراوي (رحمه الله)

يرى الشيخ الشعراوي أن الكرامة ليست “استعراضاً للقوة”، بل هي “تذكير بالقدير”. ويقول في خواطره: “الحق سبحانه وتعالى حين يُجري الكرامة على يد وليه، فإنه يريد أن يُعلمنا أن الأسباب ليست هي الفاعلة، بل هو مسبب الأسباب، فإذا رأيت الولي يُستجاب دعاؤه، فلا تقل (فلان فعل)، بل قل (الله إستجاب لفلان)؛ فالولي هو مَن إنقطع عن الأسباب فاتصل بمسببها، فأعطاه الله من “كن فيكون” ما يخرق به المألوف ليُبين طلاقة القدرة الإلهية”.

وفي شأن كرامات الأولياء، لابد من التأكيد على الحقائق الإيمانية التالية التي تضبط وعي المؤمن بهذا المفهوم:

أولاً: الكرامة ليست مفخرة للمباهاة وإنما هي ابتلاء للولي؛ فكثيرون يظنون الكرامة “جائزة”، لكن المحققين يرونها “مسؤولية”. يقول الإمام القشيري: “الكرامة قد تكون إبتلاء ً للولي ليُختبر: أيقف عندها أم يطلب صاحبها؟”.

لذا فإن الولي الصادق يكتم كرامته كما تكتم المرأة حيضها حياءً من الله، ولا يُظهرها إلا لضرورة إظهار حق أو تثبيت مؤمن.

ثانياً: إن أعظم كرامة يمنحها الله للولي هي “لزوم الإستقامة”؛ فكم من رجل جرت على يديه الخوارق وهو مطرود، وكم من صادق لم يجرِ على يديه خرق عادة وهو عند الله في أعلى عليين، كما هو حال (الصديق أبي بكر رضي الله عنه)، الذي كانت إستقامته أعظم كراماته.

ثالثاً: إن “الولاية” الربانية تعيد صياغة مفهوم “القوة” في وعي المؤمن؛ فالولي ليس هو الشخص الذي “يتحكم” في الكون، بل هو الشخص الذي “تحرّر” من الرغبة في التحكم، ورضي بمراد الله فيه، فصار “عبداً ربانياً” لا يريد إلا ما يريده الله.

رابعاً : الولاية انكسار فالولي كلما ازداد قرباً، إزداد افتقاراً وتبرأ من حوله وقوته وأرجع الأمر والحول لله سبحانه وتعالى، كما قال قال القرآن على لسان العبد الصالح الخضر (وما فعلته عن أمري).

7. ممتدات الصلاح وبركة الولي بعد إنتقاله:

قد يسأل سائل: هل تنتهي الولاية بوضع الجسد في التراب؟

 الإجابة على هذا السؤال نجدها في القرآن الكريم “سورة الكهف” في قصة “الجدار والغلامين اليتيمين”.

حيث يقول الإمام إبن كثير في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحًا﴾:

“أن فيها دليل على أن الرجل الصالح يُحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة”. فالولاية هنا “رصيد ممتد” الله سخر نبياً (موسى) ووليًا (الخضر) ليقيما جداراً ليتيمين إكراماً لصلاح والدهما الذي مات منذ زمن. فالولاية لا تنقطع، بل تتحول من “عمل” في الدنيا إلى “شفاعة وبركة” في الملكوت، علما بأن بعض المفسرين يقول أن “أبوهما” الذي تحدثت عنه الآية: قد لايكون الأب المباشر فقد يكون الجد فوق الخامس أو أكثر.

وعن الصلاح “الممتد” يقول الشيخ الشعراوي”حين حفظ الله كنز اليتيمين لصلاح أبيهما، أراد أن يخبرنا أن الصلاح هو (أكبر شركة تأمين) في الوجود.

ويضع الشيخ الشعراوي سؤالا ويجيب عليه:

 بأن “هل يملك الولي من أمره شيئاً وهو حي؟ حتى يملكه وهو ميت ؟”

ويجيب فضيلته :”

“إن الله هو الذي يملك، فيكرم الولي في قبره بحفظ ذريته، ويفيض من أنوار منهجه على مريديه، لا لأن الميت (فاعل)، بل لأن الله (أكرم الأكرمين) هو (الفاعل)، وأن الحق لا يضيع أجر من أحسن عملا، وهو القائل وقوله الحق: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾

[ الكهف: 30].

الإمام القرطبي يقول في تفسير قوله تعالى ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾:

 “أن الله يرفع ذرية الولي إلى درجته إكراماً له، وهذا إمتداد لصلاح “الأب الصالح” الذي جاء ذكره في سورة الكهف. فالولاية “بركة متعدية” تتجاوز الزمان والمكان.

فالولي يموت جسداً ويبقى أثراً، وصلاحا فهو “مظلة” تمتد لتظلل الأجيال من بعده.

خلاصة الوقفات التدبرية:

• الولاية هي “الاستقامة التي لا تعقبها ندامة”. نحن لا نبحث عن “الأولياء” لنتمسح بهم، بل نتعلم منهم كيف نكون “عبيداً” لله، لننال نصيبنا من حفظه ومعيته. فكن لله كما يريد، يكن لك فوق ما تريد، ويجعل في ذريتك ومن بعدك بركة لا ينفد نورها.

• الولي لا يخاف مما سيأتي لأنه في كنف القيوم ولا يحزن على ما فات لأنه رضي بـ”القدر” {ألا تخافوا ولا تحزنوا}.

فالولي إنسان أفرغ قلبه من الأغيار، فملأه الله بالأنوار، فصار (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ليس في الآخرة فحسب، بل في الدنيا سكينة وفي القبر روضة”.

• إن الولي الحقيقي هو من “غاب” عن هوى نفسه، فاستعمله الله في مراده، وعلامته الفارقة أنه كلما ازداد إطلاعاً على ملكوت الله، ازداد تواضعاً وافتقاراً وستراً؛ فاليقين عنده ليس إدعاء ً للقدرات الخارقة، بل خشيةً وإخباتاً، لعلمه أن “الكرامة” الحقيقية هي الإستقامة على الشرع في عالم الشهادة، لا الطيران في ملكوت الغيب.

• الفتح هو أن يُعلمك الله ما لم تكن تعلم، مكافأةً لك على العمل بما علمت وقد إختص به الله سبحانه وتعالى أولياءه الصالحين فالولي الكامل هو الذي يفتح الله عليه: فتح في “العلم والبيان”، وفتح في “الإيمان والوجدان”، وفتح في “النصر والتمكين”.

• اخيرا: اجعل من تعلق قلبك بمحراب القرب، ومن عملك الصالح معراجاً نحو الإصطفاء، فما زال باب “الولاية” مفتوحاً لكل من أخلص. ابدأ اليوم بضبط بوصلة الفرائض، ثم زاحم صفوف المحبين بنوافل الطاعات، لعل الله يكتبك في جنده ويجعلك “القصة القادمة” في ديوان أوليائه، فتنال من القرب ما لا يعلمه إلا الله.

اللهم أقسم لي من اليقين ما تهون به عليٌ مصائب الدنيا.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق

نواصل غدا بمشيئة الله تعالى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى