ع
أنوار البيان
عمر مختار حاج النور
مقالات

أنوار البيان في تدبر القرآن :الحلقة رقم: (22)  

جمع وإعداد: عمر مختار حاج النور

 “نسبة “الفعل”، ومواقف “الأدب” مع الله”

يقول الحق تبارك وتعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَاۤ﴾

[سورة محمد: 24]

إن التدبر هو المفتاح الذي يفتح مغاليق القلوب ليفاض عليها من أنوار الوحي، وهو الرحلة الإيمانية التي لا تنتهي عجائبها، وهو لذة الغوص في أعماق الذكر الحكيم الذي لا يخلق من كثرة الرد.

نواصل سلسلة حلقاتنا في تدبر القرآن الكريم ونقف في هذه الحلقة وفي هذه الليلة المباركة من الشهر الكريم، لنتدبر مواقف “الأدب مع الله” حيث تعتبر سورة الكهف “ورد الجمعة” من أدق “مختبرات” الأدب مع الله في القرآن الكريم، وفيها يتجلى قانون “نسبة الفعل” وتأدب “المخلوق” في حضرة “الخالق”. ويتجلى ذلك في سياق الرحلة التعليمية بين نبي الله (موسى) والرجل الصالح (الخضر).

أولا: آيات الإستدلال من الذكر الحكيم:

نسبة العيب للنفس:

يقول الحق تبارك وتعالى:

﴿فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِیبَهَا﴾

[سورة الكهف: 79]

نون العظمة والمشاركة:

﴿فَأَرَدۡنَاۤ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾

[سورة الكهف: 81]

إرادة الخير المحض:

 ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَاۤ أَشُدَّهُمَا﴾

[سورة الكهف: 82]

ثانيا: المتن المسنود بأقوال العلماء:

 نقف أمام صورة لغوية مذهلة في ترتيب الإرادات، فبينما جهة تنفيذ “الفعل واحدة وهو الرجل الصالح (الخضر)، إلا أن “نسبة” تنفيذ “الفعل” تغيرت بأسلوب إعجازي في في سياق الحديث عن “الخير” و”الشر”.

في ثلاثة مواضع:

 الموضع الأول:

عندما تحدث (الخضر) عن خرق السفينة، وهو فعل في ظاهره “شر” محض قال: ﴿فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِیبَهَا﴾

بنسبة “الإرادة” لنفسه بصيغة المفرد.

يرى الإمام الزمخشري وغيره من المفسرين أن هذا يأتي من باب “الأدب مع الله”

. فلما كان الفعل فيه “عَيْب” وظاهره التلف، ترفّع الخضر عن نسبة “النقص” أو “العيب” إلى الله مباشرة، فنسب الإرادة لنفسه، وإن كان الفعل في حقيقته بأمر الله وتقديره. فالمخلوق يُنسب إليه النقص، والخالق يُنزه عنه.

الموضع الثاني:

عند الحديث عن قتل الغلام، قال: ﴿فأردنا﴾ بصيغة الجمع، و”القتل” في ظاهره شر ، الفاعل فيه (الخضر).

ولكن “الإبدال بخير” منه ، هو فضل من الله فجاءت نون الجمع: ﴿أردنا﴾ لتجمع بين “فعل الخضر” (القتل) وبين “تقدير الله” (الإبدال بالخير).

يرى بعض المحققين أنها نون العظمة لله، أو إشارة إلى أن الخضر أراد القتل “إمتثالاً” لأمر والله أراد العوض “تفضلاً” من عنده جل وعلا.

الموضع الثالث:

عند الحديث عن الجدار و”إستخراج” الكنز لليتيمين، قال: ﴿فأراد ربك﴾ بنسبة الإرادة لله وحده، فهذا الفعل (بناء الجدار وحفظ المال) هو “خير” محض و”نفع” خالص ليس فيه شائبة نقص، فنسبه الخضر لصاحب الفضل الأول والأخير “الله”، وأخرج نفسه من المشهد تماماً، لأن بلوغ الأشد وحفظ اليتيمين هو من تدبير “الرب” بصفة الربوبية الراعية.

 إرادة العبد “إمتثال” ل”إرادة” الله:

هنا نصل لعمق تساوق العقيدة واللغة؛ فالخضر ختم قصصه بقوله:

﴿وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِی﴾

[سورة الكهف: 82].

يرى يؤكد الإمام القرطبي أن “إرادة” العبد في أفعال الطاعات هي إرادة “إمتثال”، لا إرادة “إستقلال”.

(الخضر) لم يبتكر الأفعال، بل كان منفذاً لمشيئة الله. فقوله ﴿أردتُ﴾ و ﴿أردنا﴾ لا يعني “إستقلالاً “بالقرار، بل هو بيان لمراتب “الأدب” مع الله في نسبة الأفعال؛ فالعبد ينسب الشر لنفسه (أدباً) وإن كان مقدراً، وينسب الخير لله (اعترافاً بالفضل).

يضعنا الشيخ الشعراوي أمام ملمح عبقري، في (جماليات الأدب النبوي) مع الله بقوله:

“تأمل في قصة (الخضر)، لقد علمنا أن “الأدب” مع الله مقدم على كل شيء.

فعندما كان هناك (ثقب) قال: (أنا)،

وعندما كان هناك (بناء وإستخراج كنز) قال: (ربك).

وهذا يشبه قول إبراهيم عليه السلام:

﴿وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ یَشۡفِینِ﴾

[سورة الشعراء: 80]؛

فلم يقل: (وإذا أمرضني)، بل نسب المرض لنفسه والشفاء لله، مع أن المُمْرِض والشافي هو “الله”. فالحق سبحانه يحب من عبده أن يستشعر منه الجمال والكمال دائماً”.

دستور “الأدب” في نسبة الحسنة والسيئة:

يقول الحق تبارك وتعالى:

﴿مَّاۤ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَاۤ أَصَابَكَ مِن سَیِّئَةٍ فَمِن نَّفۡسِكَ﴾

[سورة النساء :79]:

بهذه الآية المحكمه، يضع الحق سبحانه وتعالى دستورا ً إيمانياً وأدبياً رفيعاً، يضبط علاقة العبد بموجبات “الأفعال” ونتائجها. فهي تفصل بين “الخلق والإيجاد” الذي هو لله وحده، وبين “التسبب والإستحقاق” الذي يكون من العبد، ليتعلم المؤمن كيف ينسب النعمة لمصدرها الحقيقي والفضل لصاحب الفضل، بينما يتحمل العبد مسؤولية التقصير.

يرى كبار المفسرين أن هذه الآية تمثل قمة “الأدب” في توحيد الفعل؛ فالحسنة (وهي النعمة والظفر والرزق) مضافة إلى “الله” إضافة فضل وإحسان، أما السيئة (وهي البلاء والمصيبة) فهي مضافة “للعبد” من باب “السببية” لا من باب “الخلق”.

 يذهب الإمام الطبري: في تفسيره إلى أن ما يصيب العبد من خير وفضل فهو تفضل من الله وبرحمة منه، وما يصيبه من شدة أو مكروه فبذنب أحدثه وعملٍ جنته يداه، فالله هو المقدر لكليهما، لكن العبد هو “السبب” في “إستجلاب” السيئة.

يؤكد الإمام القرطبي: أن الآية تكرس مبدأ “الأدب”، فكل ما “يٓسُر” هو من فيض كرمه، وكل ما “يضر” هو من شؤم المعصية أو مخالفة المنهج، وهذا لا ينفي أن الكل بقضاء الله، لكن المقام هنا مقام تعليم “العبد” كيف يتحدث عن “الرب”.

يقول الشيخ الشعراوي في لفتة بيانية بديعة حول هذه الآية”

“أن الحق سبحانه يريد منا أن نفرق بين “الفاعل” وبين “المسبب”

وإن”الحسنة”عطاء “الفضل” من الله لأنك لم تخلق أسبابها، فالأرض والشمس والهواء والقوة في جسدك كلها هبات مجانية من الخالق، فإذا جاءت الثمرة كان الأصل فيها هو المنعم سبحانه.

ويشير الشيخ إلى أن الله خلق القوانين، فإذا إلتزمت بها جاءك الخير، وإذا خالفتها (بظلم أو معصية أو إهمال) وقعت السيئة.

وهنا يعلمنا الله “أدب التلقي”؛ فإذا رأيت جمالاً فانسبه للمصور، وإذا رأيت خللاً فاتهم نفسك بالتقصير في تنفيذه أو سوء “إستخدامك” للملكات التي وهبك الله إياها.

وهنا تتجلى قمة “الأدب مع الله”.:

ويؤكد الشعراوي أن نسبة “السيئة” للنفس في الآية هي “تنزيه لساحة الحق”، ف”الله” لا يريد بعبده إلا “الخير”، فإذا أصاب “العبدَ” شرٌ، فليعلم أنه هو الذي أغلق أبواب الرحمة عن نفسه بفعله.

أدب الجن في “حضرة” التقدير الإلهي:

ينقلنا الحق تبارك وتعالى إلى مشهد مهيب من عالم الغيب، حيث يتجلى كمال “الأدب مع الله” في أسمى صوره على لسان الجن. فرغم ما أصابهم من تغير كوني تمثل في منعهم من إستراق السمع ورميهم بالشهب المحرقة، إلا أنهم حين صاغوا تجربتهم، لم ينسبوا “الشر” لله عز وجل، بل ساقوه بصيغة “المبني للمجهول”، في حين نسبوا “الرشد” والخير إليه سبحانه صراحة.

كما جاء في قوله تعالى:

﴿وَأَنَّا لَا نَدۡرِیۤ أَشَرٌّ أُرِیدَ بِمَن فِی ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدࣰا﴾

[سورة الجن: 10]

تعد هذه الآية عند العلماء من أبلغ الشواهد على وجوب تأدب العبد مع ربه في الألفاظ، خاصة عند الحديث عن القضاء والقدر وما ظاهره “الإبتلاء”أو “الحرمان”.

 يشير الإمام ابن كثير:

“إلى أن الجن في قولهم هذا استعملوا غاية “الأدب”؛ فحين ذكروا “الشر” قالوا: (أُرِيدَ) بصيغة المجهول، فلم ينسبوا إرادته لأحد، تنزيهاً للذات الإلهية عن نسبة “الشر” المحض إليها لفظاً.

وحين ذكروا “الرشد” والخير، قالوا:

(أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ)، فصرحوا بإسم الرب مضافاً إليه إرادة “الخير”.

يوضح الإمام الآلوسي: في “روح المعاني” “أن هذا السياق يعلمنا أن العبد وإن علم أن الكل من عند الله خلقاً وتقديراً، إلا أن مقام الثناء يقتضي ألا يُسند إليه إلا الجميل، وأن ما سواه يُسند للسبب أو يُجهل فاعله تأدباً”.

يستنبط الشيخ الشعراوي من هذه الآية معانٍ دقيقة تتعلق بسلوك الجن المؤمن بعد سماع القرآن:

حيث يوضح الشعراوي أن الجن فطنوا لمراد الله؛ فرغم أنهم “طُردوا” من استراق السمع ورُصدت لهم الشهب (وهو في ظاهره شر وضيق لهم)، إلا أنهم لم يعترضوا ولم يتهموا القدر بالظلم، بل وقفوا موقف الحائر المتأدب، فلم يجزموا بوقوع الشر وفي كمال الإذان والطواعية والادب في الحضرة الإلهية.

ويضيف الشيخ الشعراوي :

“إن الجن علموا أن الله “فاعل خير” دائماً، فإذا وقع ما يكرهه الخلق، سكتوا عن نسبة الفعل لله وقالوا (أُرِيدَ)، كأنهم يقولون:

“نحن لا نعلم من أين جاء هذا “الشر”، لكننا نعلم يقيناً أن :

“الرشد” لا يأتي إلا من الله”.

يلمح الشيخ إلى أن حادثة رصد الشهب ومنع “إستراق السمع” بأنها كانت مقدمة لنزول القرآن وحفظ الوحي، وهو “عين الرشد”، فما إعتبره الجن في البداية تضييقاً عليهم، كان في باطنه الرحمة الكبرى للبشرية وللجن أنفسهم، وهذا يعلمنا ألا نحكم على أقدار الله بظاهرها.

خلاصة الوقفات التدبرية:

• تتجلى في هذه الآيات مدرسة ربانية في تقويم “اللسان والجنان”: حيث لا يقف “الأدب” عند حدود القول، بل يمتد ليكون عقيدةً تُبنى عليها رؤية المؤمن للوجود ولذاته، وفيها تنقلب الموازين البشرية.

يعيش الإنسان المعاصر صراع “الأنا”، فإذا حقق نجاحاً نسبه لذكائه وتخطيطه، وإذا أخفق ألقى باللوم على “القدر” أو الظروف، القرآن الكريم يقلب هذا الميزان جذرياً؛ فيجعل “العبد” في مقام “الحمد” المطلق عند الكمال بنسبته لله، وفي مقام “المحاسبة” والتواضع عند النقص بنسبته لنفسه. إنها عملية “تخلية” للنفس من الكبر، و”تحلية” لها بالإعتراف بفضل المنعم.

• في سورة الجن، نجد لفتة بيانية مذهلة في قوله تعالى: ﴿أُشَرٌّ أُرِيدَ﴾؛ فقد بُني الفعل للمجهول تنزيهاً للذات الإلهية عن أن يُسند إليها “الشر” لفظاً، رغم إيمانهم أن كل شيء بتقديره هو.

هذا يعلمنا أن “القدسية” في القرآن تتطلب من “العبد” تحري أرقى الألفاظ، فلا يُذكر “الشر” في سياقٍ يُوهم بنسبته إلى إرادة الله المحضة التي لا تكون إلا لحكمة ورحمة.

• الوقفة الأعمق هنا هي: أن نسبة السيئة للنفس ﴿فَمِن نَّفۡسِكَ﴾ ليست مجرد إتهام، بل هي “إرشاد” لـ “مواطن الإصلاح”. فالله سبحانه لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.

فحين تنسب التقصير لنفسك، تفتح باب التوبة والإصلاح، وحين تنسب الخير لله، تفتح باب الزيادة والشكر.

وهو”أدب العبد مع “السبب” و”المُسبب”

• تأمل الفرق بين ﴿أُرِيدَ﴾ في الشر و﴿أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدًا﴾؛ فذكر “الرب” جاء مقروناً بـ “الرشد” حصراً.

وهذا يوحي بأن صفة “الربوبية”:

هي صفة (رعاية وإصلاح وإرشاد)، وأن كل ما يصدر عن “الربوبية” هو “رشد” وإن بدا في ظاهر الأمر منعاً أو شدة (كالشهب التي مُنعت بها الجن).

فالمنع الإلهي هو في حقيقته “إعطاء” بصورة أخرى.

• الأدب مع الله يعلمنا أن “إرادة العبد” وإن كانت واقعة ضمن “إرادة ربه” قدراً، إلا أن “لسان العبد” يجب أن يظل منفصلاً عن نسبة أي نقص للخالق. فالمؤمن يرى الله بجماله في المنح، ويرى عدله في المحن، وفي كلتا الحالتين يظل اللسان يلهج بالثناء على الله. إلا أنه ينبغي أن يتعود ويوطن نفسه على إنفصال لسانه عن نسبة النقائص لله ويكون دائما في دائرة “المحاسبة الذاتية”.

اللهم إني أسألك باسمك الأعظم الذي إذا سألك به أحد أجبته، وإذا استعانك به أحد أعنته، وإذا استرحمك به أحد رحمته،

 أن تجعل آخر قولي في هذه الحياة الدنيا: “أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك”.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .

وبارك اللهم على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

نواصل غدا بمشيئة الله تعالى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سوداني نت

تابع سوداني نت على:

زر الذهاب إلى الأعلى