مقالات
تريند

عادل عسوم يكتب : خواطر رمضانية (الخاطرة الخامسة) (التلوث البيئي) 30/5

سوداني نت:

وقفتي هذه المرة بين يدي الآية الكريمة الحادية والأربعين من سورة الروم:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
كلما قرأت هذه الآية؛ أزداد يقينا بأنها تتحدث عن التلوث البيئي الذي يسببه الإنسان في بيئة ومناخ كوكب الأرض، فسياق الآية، ودقة استخدام الكلمات، وسبر غور مراميها وتبين مآلاتها لينبي بذلك، ثم نظرة إلى الآية التي سبقتها في ذات السورة يجلعني أيقن بأن الفساد المعني في ثنايا هذه الآية ليس (المعاصي) التي ذكرتها كل تفاسير القرآن الكريم بأي حال من الأحوال، نعم إنها تتحدث عن فساد، لكنه فساد آخر (ملموس) يرتهن بحراك البشر الحياتي؛ تفاعلا مع مايحيط بهم من موجودات الأرض الحية والجامدة، وهي التي سخرها الله للإنسان كما قال جل في علاه في الآية الثالثة عشر من سورة الجاثية.
لنلقي نظرة إلى الآية التي سبقت آية سورة الروم مثار الخاطرة:
يقول الحق جل في علاه:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۖ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيْءٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 40
هذه الآية تتحدث عن خلق/ ثم رزق/ ثم موت/ ثم إحياء، أي أنه سرد لمراحل الوجود والحراك البشري، بكل مايحدث فيه من (فعل وكسب بشرى)، وعودة إلى الآية رقم 41 نجدها تشير في ابتدارها إلى بيئة هذا الفساد بكونه في البر والبحر، في دلالة واضحة على كونه فسادا ملموسا وليس محسوسا، وإلا فقد كان يكفي مجرد ذكر الفساد بماكسبت أيدي الناس، باعتباره فعلا بشريا من المعاصي، كل ذلك زادني يقينا بأن الفساد المذكور في الآية الأولى ليس سوى إفساد ملموس، وليس المعاصي التي تكون على الأغلب (معنوية) على اجمالها، وهناك آيات أخرى في كتاب الله تحدثت عن التلوث البيئي، أنهما آيتان، آية في سورة الرعد وأخرى في سورة الأنبياء، تحدثتا عن ذات الإفساد، وهو تلويث البيئة ثم نتائجه، هما على التوالي:
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} الرعد41
{أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} الأنبياء 44.
هاتان الآيتان تصوبان إلى التلوث البيئي الناتج عن (أيدي الناس)، حيث نجد السبب الأساس في انتقاص الأرض من اطرافها الازدياد التدريجي لمياه البحار على حساب اليابسة، واليابسة كما هو معلوم تشكل ثلث مساحة الأرض بينما الماء يشكل الثلثين، ويتسبب التلويث البيئي الناتج عن الحراك البشري (الاحتباس الحراري)، وهذا بدوره يتسبب في ذوبان سلاسل الجبال الجليدية في قطبي الأرض، اضافة إلى التأثير السالب لمخلفات المصانع، ونواتج التصنيع من غازات الأوزون، وأول أوكسيد الكربون، ومركبات الكبريت والنترات الضارة، وكذلك التغول على (رئات) الأرض ومتنفساتها من الغابات قطعا لأشجارها.
وقد قرأت في خلاصات مؤتمر ريودي جانيرو الذي انعقد قبل سنوات لنقاش مآلات التلوث البيئي، بأنه قد تم رصد أكثر من 7 مليون حالة وفاة على الأقل؛ تحدث كل عام بسبب التعرض لتلوث الهواء!، لعمري إن كانت هذه الأعداد الموثقة في مضابط الجهات الصحية لتلوث الهواء، ياترى كم العدد الكلي للوفيات نتاج التلويث للتربة والأنهار والبحار؟!
والذي يرعب المتابع أن نسبة التلوث تزداد عاما بعد عام، فقد أثبتت القياسات التي أجريت على ثقب الأوزون أنه مافتئ يتسع عاما بعد عام، مما يزيد من كثافة الأشعة فوق البنفسجية الضارة الواصلة إلى سطح الأرض، وليس ببعيد عنا التغيرات المناخية التي نتج عنها انقطاع المطر لسنوات عديدة في مساحات شاسعة من دول افريقيا، والذي نتج عنه من جفاف وقحط أهلك الشجر والحيوان، وظهرت آثاره جلية على أجساد البشر!
وفي المقابل هناك الفيضانات المدمرة التي أضرت بالعديد من دول آسيا الشرقية والجنوبية، ولاتستثني عن ذلك الأعاصير التي ازدادت وتيرتها خلافا لما كانت عليه خلال العقود الماضية.
وللعلم فقد ثبت أن الولايات المتحدة الأمريكية تُعد أكثر الدول تلويثا للبيئة، تدلل على ذلك الإحصاءات الآتية:
في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها يوجد حوالي 120 مليون سيارة تستهلك 100 بليون جالون من الوقود سنوياً -أي حوالي 11 مليون جالون في الساعة الواحدة- وتستهلك الطائرات 15 بليون جالون سنوياً، وبالرغم من أنّ التلوّث الجوي الناتج عن الطائرات لا يتجاوز 1/25 من التلوث الناتج عن السيارات إلاّ أنها تفرغ سنوياً كميات كبيرة من الغازات السامّة في الجو يبلغ حوالي 70 بليون طن، علماً بأن الطائرات تستعمل غاز الكيروسين السائل الخالي من معدن الرصاص السام.
وبالرغم من هذه الإحصاءات الموثقة إذا بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب يفاجئ الدنيا باجمعها برفضه لمقررات قمم المناخ والتلوث البيئي السابقة بالرغم من موافقة كل اسلافه من رؤساء أمريكا عليها!
ولاغرو أن الأمثلة على اضرار التلويث البشري للبيئة كثيرة لاتحصى، منها على سبيل المثال لا الحصر ما حلّ في اليابان بين عامي 1949 و1968 عندما قام أحد المصانع بقذف مخلّفاته المحتوية على مادة الزئبق في البحر، وفي الماء تحوّلت مادة الزئبق السّامة أصلاً إلى ميثايل الزئبق الأشد سمّية، ثم انتقل هذا المركّب من الأسماك إلى الإنسان حيث أدى إلى تسمّم عشرات الآلاف من اليابانيين إضافةً إلى إصابة الكثير من المواليد بتشوهات عقلية وبدنية، ونتيجة لتلوّث مياه الشرب والتربة الزراعية والهواء بمخلّفات وُجدت مدفونة في مناجم مهجورة احتوت على عنصر الكادميوم أيضا أصيب الآلاف من اليابانيين بالمرض المعروف باسم إتاي-إتاي (أوا-أوا) الذي يسبب آلاماً شديدة مزمنة في العظام، ومن أخطار هذا المرض أيضاً أنه يذيب المادة الكلسية في العظام، مما يؤدي إلى اختفائها التدريجي أو إلى تقزّم وانحناء في الهيكل العظمي، كما سبب هذا التلوث موت عدد كبير من الناس نتيجة توقّف نشاط الكلى وإبطال مناعة الجسم الطبيعية.
بالنسبة لنا في السودان فإننا لسنا بعيدين عن تأثير التلوث البيئي العالمي، فقد ظهر ذلك خلال فترة الثمانينات وكذلك التسعينات؛ عندما شحت الأمطار في أواسط السودان، وقد أدى ذلك إلى الإضرار بالزراعة المطرية كثيرا، أما الآثار الأخرى فهناك مشكلة استخدام الزئبق في عمليات التعدين الأهلي للذهب، فالزئبق يعد من أكثر المعادن إضرارا بصحة الإنسان، وقد علمت من طبيب صديق لي يعمل في مستشفى الذرة بأنهم رصدوا تناميا مضطردا لنسبة الإصابة بالسرطان والفشل الكلوي بين الشباب العاملين في سوح التعدين الأهلي، ظهر لهم ذلك من خلال مضابط الحالات التي تعالج في مستشفى الذرة، فليت الجهود المبذولة لتحريم استخدام الزئبق في استخلاص الذهب وإيجاد البدائل له تنجح.
وهناك تلوث آخر يتهددنا دون ان ننتبه له، إنه التلوث بمادة الديوكسين Dioxin الضارة، واسمها الكيميائي هو 8،7،3،2 رباعي كلورو داي بنزو بارا ديوكسين، وللعلم فإن هذا المركب يكفي جزء واحد من المليون منه (1 ppm) للإضرار بصحة الإنسان!، وبالرغم من أن التلوث بالديوكسين يتكاثف في الدول ذات البراكين النشطة؛ إلا إننا في السودان لاننتبه لمصدره القاتل المتمثل في (الكُوَش) التي تحرق دون رقيب بجوار الأماكن السكنية، وذلك لكثافة كم الأكياس البلاستيكية، وقناني واوعية البلاستيك الفارغة التي تحرق.
وكذلك فأن الديوكسينات موجودة بكثافة في المبيدات الحشرية وبخاخات تعطير الهواء لها اضرارها، فلنحذر منها ونحتاط.
هناك أيضا خطر زيوت القلي الذي يعاد استعماله لمرات عديدة، لكون الإصابة بالسرطان نتاج ذلك أكيدة، ودوننا كم الإصابة بالسرطانات التي ظلت تتصاعد عاما بعد عام في مختلف ولايات السودان.
واختم مقالي بالقول:
يقيني أن التلويث البشري للبيئة يعد أكثر اضرارا للبشرية من فعل الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين حصدتا أرواح مئات الملايين من البشر، إذ حادثة واحدة مثل إنفجار مصنع الغاز في مدينة بوبال الهندية، والمملوك لشركة يونيون كاربايد الأمريكية؛ ليدلل على ضخامة ضرر التلويث البيئي، وقد حدث ذلك في عام 1984 عندما قضى وأصيب اكثر من مليون هندي نتاج استنشاقهم لمادة ميثيل إيزوسيانايد القاتلة، ودونكم ماحدث من قبل في مدينة نياجازاكي وهيروشيما عندما ألقيت عليهما القنابل الهيدروجينية الأمريكية، وكذلك كارثة شيرنوبل في أوكرانيا قبيل انهيار الإتحاد السوفيتي، وهانحن نعايش الآن جائحة كوفيد 19 (كورونا) التي يتحدث البعض بكونها تلاعب مختبري يندرج في عوالم التصنيع للاسلحة البيولوجية الجرثومية الفتاكة، وليت البشرية تنتبه لخطورة ذلك على الحياة بكاملها على كوكب الأرض.
وهكذا يبقى عجز الآية الكريمة شاهدا على البشرية، تحذيرا من الخالق جل في علاه وقد قال:
{لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}!

[email protected]

إضغط هنا للإنضمام إلى مجموعتنا على الواتساب (٢٦)

إضغط هنا للمحاولة في بقية مجموعات الواتساب من (١) حتى (٢٥)

إضغط هنا للإنضمام إلى قناتنا على التليغرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!