مقالات

المرتزقة وحصار الفاشر: كيف تحوّل الجوع إلى تكتيك عسكري بأيدٍ أجنبية؟

الجزء الثاني من سلسلة: المرتزقة في الحرب السودانية

إعداد: د. عبدالناصر سلم حامد – كبير الباحثين ومدير برنامج السودان وشرق أفريقيا

في قلب النزاع السوداني، تحوّلت مدينة الفاشر إلى مسرح لواحدة من أكثر الحملات تعقيدًا ووحشية، إذ تستخدم قوات الدعم السريع أدوات عسكرية وغير تقليدية لحصار المدينة وإخضاعها. لم يكن الحصار محض تطويق عسكري بل بات تكتيكًا مركبًا يعتمد على المرتزقة الأجانب، والجوع، والطائرات المسيّرة، والأسلحة المتطورة، في محاولة لتفكيك آخر خطوط الدفاع الرمزية في دارفور.

ما يجري في الفاشر ليس مجرد تطويق لمدينة، بل هندسة عسكرية قوامها المقاتلون الأجانب، واستخدام ممنهج للتجويع، وتكنولوجيا الحرب الهجينة. في هذه الحلقة من سلسلة “المرتزقة في الحرب السودانية”، نكشف البنية الميدانية واللوجستية لحصار الفاشر، ونرصد الأدوار التي يلعبها المرتزقة، ونقارنها بأنماط حروب سابقة.

تشير تقارير صادرة عن لجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن السودان (2024) إلى أن الدعم السريع يعتمد بشكل متزايد على وحدات من المرتزقة الأجانب في تنفيذ المهام المعقدة في محيط الفاشر. وقد تمركز هؤلاء في المحاور الأربعة الرئيسية: من الشرق (شنقل طوباي)، ومن الجنوب (طويلة)، ومن الغرب (أبو زرقة)، ومن الشمال (طريق المالحة). هذه الوحدات تضم عناصر من تشاد، النيجر، مالي، سوريا، ليبيا، وعدد غير مؤكد من المرتزقة الكولومبيين الناطقين بالإسبانية.

المرتزقة المنتشرون حول الفاشر لا يتحركون ككتل غير منظمة، بل وفق بنية تقسيم تخصصي: بعضهم مسؤول عن مهام القنص والاستطلاع، والبعض الآخر عن تفخيخ الطرق وتشغيل المسيّرات، بينما أوكلت إلى عناصر مدربة مهام قيادة وحدات الاقتحام وشنّ الهجمات الليليّة. وقد أفادت مصادر ميدانية في مايو 2025 أن بعض هؤلاء المرتزقة كانوا يرتدون زيًا غير موحد، ويتحدثون لغات غير عربية، ويستخدمون إشارات تكتيكية غير متداولة في الحروب المحلية.

ما يؤكد ذلك هو تنامي استخدام تقنيات متطورة في الحصار. وبحسب تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش (سبتمبر 2024)، ومنظمة العفو الدولية (يوليو 2024)، فإن الدعم السريع استخدم طائرات مسيّرة صينية الصنع في قصف أحياء مثل حي الوحدة والثورة، وإلقاء قنابل يدوية الصنع. كما استُخدمت درونز استطلاع هجومية متقدمة لرصد تحركات الجيش السوداني داخل المدينة.

في مطار نيالا، كشفت صور أقمار صناعية نشرتها منصة Yale HRL في يونيو 2025 عن وجود طائرات درونز مسلحة، ويُعتقد أنها نُقلت لاحقًا لاستخدامها حول الفاشر، ما يشير إلى وجود منظومة لوجستية تربط المرتزقة بأسلحة من مصادر خارجية.

على الأرض، يحمل المرتزقة قناصات JNG-90 التركية، ورشاشات FN Minimi البلجيكية، وقاذفات Kornet الروسية الموجهة، إضافة إلى عبوات ناسفة محلية التصنيع، جرى إعدادها داخل ورش خاصة في جنوب المدينة بإشراف عناصر يُعتقد أنها تلقت تدريبات سابقة في مناطق مجهزة جنوب ليبيا، قبل نقلهم إلى دارفور عبر مسارات جوية غير رسمية.

المرتزقة الكولومبيون، الذين ظهروا سابقًا في اليمن وليبيا، يتمتعون بخبرة عالية في القتال الحضري. يُعتقد أن عددًا منهم يعمل ضمن وحدات قنص وإرباك في شمال الفاشر، ويتبعون نمط “اضرب وانسحب”، بينما توكَل مهام الاقتحام للمقاتلين من الساحل الإفريقي، ممن خاضوا معارك سابقة في مالي والنيجر ضمن جماعات شبه نظامية.

التقسيم بهذا الشكل يعكس نمطًا تنظيميًا غير محلي، أقرب إلى أنماط المرتزقة في الحرب السورية أو الليبية، ويؤكد أن ما يجري في الفاشر يتجاوز قدرة الدعم السريع كقوة سودانية محلية، ليتحوّل إلى نموذج لحرب بالوكالة تنفّذها عناصر أجنبية.

لكن البعد الأخطر هو أن هذا الحصار يتم باستخدام التجويع كسلاح. فمدينة الفاشر تعاني من نقص كارثي في الغذاء والماء والدواء. لا تصل المساعدات، ولا يُسمح للمدنيين بالخروج. الطرق مزروعة بالألغام، والممرات محروسة من قبل قناصة. تقول شهادة لطبيب من مستشفى الفاشر للأطفال إن “الكهرباء قُطعت عن حاضنات الأطفال، وتم قنص سيارة إسعاف حاولت نقل مريضة إلى مركز صحي مؤقت”. وتؤكد منظمات حقوقية أن أكثر من 70٪ من أطفال المدينة يعانون من سوء تغذية حاد.

وفقًا للمادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يُعتبر استخدام التجويع كوسيلة حربية جريمة حرب. كما أن اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1989 تحظر صراحة تجنيد واستخدام المرتزقة. ما يجعل الانتهاكات المرتكبة في الفاشر ترقى إلى جرائم حرب متعددة الجوانب، بحسب الفقه القانوني الدولي، هو تزامن استخدام المرتزقة مع تعمد تجويع السكان، وعرقلة المساعدات، واستهداف المرافق الصحية.

تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن دارفور (مارس 2024) وصف الحصار بأنه “منسق بشكل منهجي”، ويهدف إلى إخضاع سكان المدينة من خلال قطع الإمدادات وترويع المدنيين. وقد استخدمت عناصر أجنبية في هذا الحصار بمهام محددة، مما يجعل من القضية نموذجًا للجريمة المركبة متعددة الأبعاد.

الوضع في الفاشر لا يمكن فصله عن سياق أوسع: الدعم السريع يسعى إلى فرض أمر واقع سياسي عبر السلاح، مستخدمًا المرتزقة لإحداث اختراق حاسم في موازين القوى، تمهيدًا لإجبار الأطراف المحلية والدولية على التفاوض من موقع ضعف. السيطرة على الفاشر تُعد مفتاحًا للسيطرة على دارفور سياسيًا، وعلى مفاصل الدولة لاحقًا.

المقارنة التاريخية تكشف تطابقًا مع حصارات أخرى مثل حلب في سوريا، وسراييفو في البوسنة. في كلتا الحالتين، لعب المرتزقة والمليشيات دورًا رئيسيًا في فرض الحصار، وارتُكبت مجازر جماعية تحت ستار الصراع الداخلي. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي لوقف ما يحدث في الفاشر، فإن مصيرها قد يكون أكثر سوداوية.

حرب الفاشر اليوم ليست فقط بين الجيش والدعم السريع، بل بين الدولة الوطنية وفكرة الحرب بالوكالة. المرتزقة هنا ليسوا مجرد أدوات، بل جزء من منظومة متكاملة تُدار بإشراف وتنسيق من خارج الحدود، وتُموَّل عبر شبكات مصالح إقليمية ودولية.

الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة، بل إنذار استراتيجي لسودان مهدد بالتفكك من الداخل بفعل أدوات حرب مأجورة، تتخطى حدود الدولة وتخترق نسيجها من الخارج.

في الجزء الثالث من هذه السلسلة، نواصل تتبع خارطة المرتزقة في الحرب السودانية، ونكشف كيف تموّل شبكات الذهب والتهريب الإقليمي هذه الحرب، ومن يقف خلف عقود التجنيد والنقل، وما هي الأهداف الحقيقية لهذا التحالف العسكري المأجور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى