مقالات

البرهان في موسكو شراكة المصالح ورهان السيادة ومستقبل السودان

محجوب أبوالقاسم

لم تكن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى روسيا ومشاركته في القمة الأفريقية الروسية الثالثة في أواخر أكتوبر المنصرم مجرد محطة عابرة في أجندة الدبلوماسية السودانية، بل مثلت خطوة ذات أبعاد سياسية واقتصادية واستراتيجية عميقة في توقيت يواجه فيه السودان تحديات مصيرية تستدعي إعادة ترتيب تحالفاته وتوسيع شراكاته الدولية بما يحفظ سيادته ويعزز قدرته على تجاوز تداعيات الحرب واستعادة بناء الدولة ومؤسساتها.

تكتسب هذه الزيارة أهميتها من طبيعة المرحلة التي يمر بها السودان إذ لم يعد الانفتاح على القوى الدولية خيار دبلوماسي فحسب وإنما ضرورة تفرضها متطلبات الأمن الوطني والاقتصاد وإعادة الإعمار وفي هذا السياق تبرز موسكو باعتبارها شريك يمتلك إمكانات سياسية واقتصادية وعسكرية وتكنولوجية يمكن أن تسهم في دعم السودان إذا ما أُحسن توظيف هذه العلاقة وفق رؤية استراتيجية واضحة ومصالح متبادلة.

ولعل أكثر ما عكس طبيعة التوجه السوداني نحو موسكو ما جاء في كلمة البرهان أمام أبناء الجالية السودانية بروسيا حين استحضر العبارة الشعبية «المتغطي بروسيا دفيان» وهي عبارة لم تكن مجرد تعبير عابر بل حملت دلالات سياسية تعكس مستوى الثقة والتقدير للمواقف الروسية وتعبر عن رغبة واضحة في الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

إن أهمية العلاقة مع روسيا لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الدعم السياسي أو التقارب الدبلوماسي وإنما يجب أن تمتد إلى بناء شراكة اقتصادية حقيقية تحقق مصالح البلدين. فالسودان يمتلك ثروات وموارد ضخمة من النفط والذهب والمعادن إلى الأراضي الزراعية والمياه والموقع الجغرافي الاستراتيجي بينما تمتلك روسيا خبرات واسعة وقدرات متقدمة في مجالات الطاقة والتعدين والصناعة والزراعة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

وهنا تكمن الفرصة الحقيقية إذ يمكن للشراكة السودانية الروسية أن تفتح آفاقا واسعة للاستثمار في قطاع النفط وتطوير التعدين وإنشاء مشروعات الطاقة، وتحديث الصناعات الوطنية وتأهيل البنية التحتية فضلا عن التعاون في مجالات التعليم والتدريب ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات البشرية.

كما أن مرحلة ما بعد الحرب ستحتاج إلى شركاء يمتلكون القدرة والخبرة والاستعداد للمساهمة في إعادة الإعمار وهو ما يجعل التعاون مع موسكو فرصة ينبغي ألا تضيع وسط الحسابات السياسية الآنية. فالسودان لا يحتاج إلى وعود جديدة بقدر حاجته إلى مشروعات منتجة واستثمارات حقيقية واتفاقيات تنعكس اثارها على حياة المواطنين والاقتصاد الوطني.

وفي مقابل هذا التقارب تبرز المقارنة مع السياسة الأمريكية تجاه السودان التي اتسمت بالتذبذب وتعدد المواقف وتداخل الوعود مع الضغوط السياسية الأمر الذي أضعف الثقة في إمكانية بناء علاقة مستقرة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح الواضحة.

في المقابل ينظر السودان بتقدير إلى مواقف روسية في عدد من الملفات المرتبطة بسيادته ومؤسساته ومن بينها موقف موسكو داخل مجلس الأمن الدولي.

لكن من المهم التأكيد أن تعزيز العلاقات مع روسيا لا يعني استبدال محور دولي باخر ولا نقل السودان من دائرة تبعية إلى أخرى وإنما يعني امتلاك إرادة وطنية مستقلة قادرة على تنويع الشراكات والانفتاح على مختلف القوى الدولية وفق معيار واحد هو مصلحة السودان العليا واحترام سيادته وقراره الوطني.

فالدول لا تبني مستقبلها بالعزلة كما لا تحمي استقلالها بالارتهان لطرف واحد وإنما بتوازن العلاقات وتعدد الخيارات والقدرة على تحويل الموقع الجغرافي والثروات الوطنية إلى أوراق قوة في العلاقات الدولية.

ومن أبرز الملفات التي ينبغي أن تحظى باهتمام القيادة في ضوء هذه الزيارة ملف التعاون اللوجستي والعسكري مع روسيا ولا سيما الاتفاق المتعلق بإنشاء نقطة لوجستية بحرية روسية على ساحل البحر الأحمر.

فالبحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي بل يمثل شريان استراتيجي للتجارة العالمية وعمقا مهما للأمن القومي السوداني وساحة تتقاطع عندها مصالح القوى الإقليمية والدولية ومن ثم فإن التفكير الجاد في استكمال التفاهمات الخاصة بهذه النقطة اللوجستية وفق اتفاق واضح يراعي السيادة السودانية والمصالح الوطنية يستحق أن يكون ضمن أولويات المرحلة المقبلة.

كما أن التعاون في هذا المجال ينبغي أن يدرس في إطار أوسع يشمل التدريب والتأهيل وتطوير القدرات الدفاعية والتعاون الأمني وصولا إلى بحث أطر مناسبة للتعاون الدفاعي المشترك وفق اتفاقات متوازنة ومحددة وبما يعزز قدرة السودان على حماية أراضيه وسواحله ومقدراته الوطنية في ظل التحديات الأمنية التي تواجهه.

فالسودان يخوض معركة وجودية تتطلب بناء قدراته وحماية أمنه القومي ولا يمكن فصل الشراكات الاستراتيجية عن متطلبات الدفاع عن الدولة واستقرارها ومع ذلك يجب أن تظل أي ترتيبات عسكرية أو لوجستية خاضعة لحسابات المصلحة الوطنية وضمانات السيادة، والالتزامات المتبادلة.

ومن الجوانب المهمة التي حملتها كلمة الرئيس البرهان في روسيا توجيه رسالة إلى الشباب السوداني باعتبارهم الركيزة الأساسية لبناء المستقبل فإعادة بناء السودان لن تتحقق بالموارد الطبيعية وحدها وإنما بالعقول المؤهلة والمعرفة والتعليم والتدريب ونقل الخبرات والتكنولوجيا.

وهنا تبرز أهمية توسيع التعاون الأكاديمي والعلمي مع الجامعات والمؤسسات الروسية وفتح فرص أوسع للمنح الدراسية والتخصصات العلمية والتقنية وتأهيل الكوادر السودانية في مجالات الهندسة والطاقة والطب والتعدين والصناعة والتكنولوجيا الحديثة.

فالسودان الذي يمتلك ثروات هائلة يحتاج قبل كل شيء إلى الإنسان القادر على إدارتها وتحويلها إلى قوة إنتاجية واقتصادية حقيقية.

إن زيارة موسكو تضع القيادة أمام فرصة مهمة لاختبار قدرتها على الانتقال بالعلاقات الخارجية من مربع المجاملات الدبلوماسية إلى مرحلة المصالح الاستراتيجية الملموسة. فنجاح الزيارة لن يقاس بالتصريحات الإيجابية أو حفاوة الاستقبال وإنما بما ستسفر عنه من اتفاقيات قابلة للتنفيذ ومشروعات محددة واستثمارات حقيقية وتعاون يعزز أمن السودان واقتصاده واستقراره.

لقد وقفت روسيا إلى جانب السودان في مواقف مفصلية وأوقات بالغة الصعوبة وهو ما يستحق التقدير والوفاء السياسي لكن الوفاء الحقيقي لا يتعارض مع الحسابات الوطنية بل يجب أن يتجسد في علاقة متوازنة تحقق المصالح المشتركة وتحترم استقلال القرار السوداني.

الخلاصة أن السودان لا يبحث عن وصاية دولية ولا يريد استبدال نفوذ بنفوذ وإنما يبحث عن شركاء يحترمون سيادته ويقدرون مصالحه ويقفون معه على أساس المصالح المتبادلة.

وموسكو بما تمتلكه من إمكانات وما أظهرته من مواقف تجاه السودان يمكن أن تكون شريكا مهما في معركة استعادة الدولة وإعادة بنائها لكن الكرة الآن في ملعب القيادة لتحويل هذا التقارب إلى مشروع استراتيجي متكامل يبدأ بالاقتصاد ولا ينتهي عند الأمن والدفاع.

فالسودان لا يحتاج إلى من يصفق له في المحافل الدولية بقدر حاجته إلى من يشاركه صناعة مستقبله. وموسكو تمثل فرصة ينبغي استثمارها بعقل الدولة وشجاعة القرار ووضوح الرؤية فالعلاقات الدولية لا تبنى بالعواطف وحدها وإنما بالمواقف والمصالح والاتفاقيات التي تصنع الفارق على أرض الواقع.

2 نوفمبر 2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى