مقالات
أخر الأخبار

عادل عسوم يكتب: كابليات 🎶

سوداني نت:

احتفاء بالعَوْد الأحمد لصاحب الصوت الملوكي، الأديب والشاعر، أنيق اللغة فصيحها، الملحِّن الفذ والمؤدي الباذخ؛ الدكتور عبدالكريم الكابلي، هذه بعض (قراءاتي ووقفاتي) في عوالم أعماله الماتعة، عساها تصله وبين يديها إحترامي واعزازي، ودعوات منِّي حميمات بدوم عافية ورضوان.

🌺🌺🌺

(1)

(الجُنْدُولُ) و(عَصِيّ الدَّمْعِ) أُغنيتانِ بَذّ فيهما الدكتور كابلي محمدعبدالوهاب وأم كلثوم.

إنهما أغنيتان بطعم الشهد، قامتا على ركائز من المتانة والبهاء بمكان!

(اراك عصيّ الدمع) لشاعرها أبي فراس الحمداني وقد غتها كوكب الشرق أم كلثوم ، و(الجندول) لشاعرها المصري المهندس علي محمود طه التي غناها الموسيقار محمد عبدالوهاب.

سأعمد إلى نقاط بعينها تكون أساسا ومساطر للمقارنة والترجيح، وبالطبع فلن أعتمد -كمآل وميس- على ذائقتي وأذني عند المقارنة مابين لحن وأداء كابلي وأم كلثوم ثم محمد عبدالوهاب بالرغم عن اعتدادي بذلك، وما ذاك إلا لحرصي كي يكون رأيي ألزم للصواب، ولكون اذني وذائقتي (ألصق) بالسلم الخماسي.

ابتدر بقصيدة أبي فراس الحمداني فأقول:

هناك حقيقة تخفى على الكثير منا في السودان، ألا وهي أن الدكتور كابلي قد سبق أم كلثوم في تلحين واداء اغنية أراك عصي الدمع شيمتك الصبر، وقد ذكر ذلك كابلي بنفسه في ثنايا الفيديو المرفق أدناه.

واللحن الذي جادت به قريحة كابلي يعد أكثر تماهيا مع سمت القصيدة ومعاني الكلمات فيها، ويمكن للسامع ان يتبين ذلك منذ ابتدار الأداء حيث يبدأ كابلي في نطق كلمة أراك بصوت أعلى، ومن مستوى لحني مرتفع، ثم تتغير نبرة صوته وهو يقول (عصيُّ الدمعِ) ليتفاعل مع ذلك الإيقاع للدلالة بوضوح على أهمية السِمَة الأساس التي تدور عليها رحى القصيدة بكاملها وهي (قساوة المحبوب)!، ثم يخفت الصوت منه رويدا رويدا وهو يقول (شيمتك الصبر)، ليتبع ذلك بتساؤل أبي فراس (أما للهوى نهي عليك ولا أمرُ)؟!

هذا الإبتدار بهذه الصورة يمكن للذي لديه ملكة لحنية أن يتبين العبقرية اللحنية الكامنة فيه!، ولاغرو أن اللحن إن لم يستجب لمعاني ومرادات الشاعر في القصيدة، يودي إلى مباينة ونشاذ تحسه الأذن المرهفة، فمابالك بمن يعط المعنى الكامن في (كل كلمة) من كلمات القصيدة على حدة حقه من الاظهار والموسقة؟!

ولنقارن بين ابتدار الدكتور كابلي وابتدار كوكب الشرق ولنقارن بحياد.

أمر آخر، كابلي قسم القصيدة إلى أجزاء وضح جليا بأنه قد تناغم وتماهى في ذلك بصورة محكمة مع مرادات ابي فراس فيها، حيث وهب كل جزء من تلك الاجزاء مايناسبه من (كوبليه) لحني  وأسلوب أداء يتناسب بصورة عجيبة مع السياق العام في كل جزء ومقطع!.

وكابلي -صاحب الصوت الملوكي الفخيم- معلوم عنه أنه صاحب لغة راقية وشاعر متمكن، ينبي بذلك تأليفه لعدد مقدر من القصائد وجلها منظوم بالفصحى التي يعشقها وتبدو دوما في ثنايا لقاءاته وأحاديثه، يضاف إلى كل ذلك موهبته وملكته في عوالم التلحين، وهو الذي لحن جل أغنياته بنفسه وكذلك لحن لسواه من زملائه المطربين، وهو كذلك المعلوم عنه اجادته للعزف على العود إلى حد الإدهاش، ويعلم أهل العود في السودان بأن كابلي أول من عمد إلى تحوير وتر العود الخامس ليعطي نغمة مغايرة ظهر ذلك في سياق لحنه لماتعته (إني أعتذر/حبيبة عمري تفشى الخبر) ليتبعه في ذلك الملحن الكبير بشير عباس وآخرون، ومن ثمّ يصبح الأمر دراجا لدى اهل التلحين والموسقة في السودان.

هذا هو الفارق بين كابلي وكوكب الشرق أم الكلثوم التي لايختلف اثنان على عبقرية صوتها واسلوبها الادائي الفخيم، لكنها لم يُعلم عنها الذي ذكرته اعلاه عن كابلي.

هذه هي قصيدة أبي فراس (كاملة) وبالطبع لقد اجتزأ كل من كابلي وأم كلثوم بعضا من ابياتها ولم يغنياها كاملة:

أراكَ عصيَّ الدَّمْعِ شيمَتُكَ الصَّبْرُ

أما لِلْهَوى نَهْيٌ عليكَ و لا أمْرُ؟

بَلى، أنا مُشْتاقٌ وعنديَ لَوْعَةٌ

ولكنَّ مِثْلي لا يُذاعُ لهُ سِرُّ!

إذا اللّيلُ أَضْواني بَسَطْتُ يَدَ الهوى

وأذْلَلْتُ دمْعاً من خَلائقِهِ الكِبْرُ

تَكادُ تُضِيْءُ النارُ بين جَوانِحي

إذا هي أذْكَتْها الصَّبابَةُ والفِكْرُ

مُعَلِّلَتي بالوَصْلِ، والمَوتُ دونَهُ

إذا مِتُّ ظَمْآناً فلا نَزَلَ القَطْرُ!

حَفِظْتُ وَضَيَّعْتِ المَوَدَّةَ بيْننا

وأحْسَنُ من بعضِ الوَفاءِ لكِ العُذْرُ

وما هذه الأيامُ إلاّ صَحائفٌ

ِلأحْرُفِها من كَفِّ كاتِبِها بِشْرُ

بِنَفْسي من الغادينَ في الحيِّ غادَةً

هَوايَ لها ذنْبٌ، وبَهْجَتُها عُذْرُ

تَروغُ إلى الواشينَ فيَّ، وإنَّ لي

لأُذْناً بها عن كلِّ واشِيَةٍ وَقْرُ

بَدَوْتُ، وأهلي حاضِرونَ، لأنّني

أرى أنَّ داراً، لستِ من أهلِها، قَفْرُ

وحارَبْتُ قَوْمي في هواكِ، وإنَّهُمْ

وإيّايَ، لو لا حُبُّكِ الماءُ والخَمْرُ

فإنْ يكُ ما قال الوُشاةُ ولمْ يَكُنْ

فقدْ يَهْدِمُ الإيمانُ ما شَيَّدَ الكفرُ

وَفَيْتُ، وفي بعض الوَفاءِ مَذَلَّةٌ،

لإنسانَةٍ في الحَيِّ شيمَتُها الغَدْر

وَقورٌ، ورَيْعانُ الصِّبا يَسْتَفِزُّها،

فَتَأْرَنُ، أحْياناً كما، أَرِنَ المُهْرُ

تُسائلُني من أنتَ؟ وهي عَليمَةٌ

وهل بِفَتىً مِثْلي على حالِهِ نُكْرُ؟

فقلتُ كما شاءَتْ وشاءَ لها الهوى:

قَتيلُكِ! قالت: أيُّهمْ؟ فَهُمْ كُثْرُ

فقلتُ لها: لو شَئْتِ لم تَتَعَنَّتي،

ولم تَسْألي عَنّي وعندكِ بي خُبْرُ!

فقالتْ: لقد أَزْرى بكَ الدَّهْرُ بَعدنا

فقلتُ: معاذَ اللهِ بل أنتِ لا الدّهر

وما كان لِلأحْزان، ِ لولاكِ، مَسْلَكٌ

إلى القلبِ، لكنَّ الهوى لِلْبِلى جِسْر

وتَهْلِكُ بين الهَزْلِ والجِدِّ مُهْجَةٌ

إذا ما عَداها البَيْنُ عَذَّبها الهَجْرُ

فأيْقَنْتُ أن لا عِزَّ بَعْدي لِعاشِقٍ،

و أنّ يَدي ممّا عَلِقْتُ بهِ صِفْرُ

وقلَّبْتُ أَمري لا أرى ليَ راحَة،ً

إذا البَيْنُ أنْساني ألَحَّ بيَ الهَجْرُ

فَعُدْتُ إلى حُكم الزّمانِ وحُكمِها

لها الذّنْبُ لا تُجْزى بهِ وليَ العُذْرُ

كَأَنِّي أُنادي دونَ مَيْثاءَ ظَبْيَةً

على شَرَفٍ ظَمْياءَ جَلَّلَها الذُّعْرُ

تَجَفَّلُ حيناً، ثُمّ تَرْنو كأنّها

تُنادي طَلاًّ بالوادِ أعْجَزَهُ الحَُضْرُ

فلا تُنْكِريني، يابْنَةَ العَمِّ، إنّهُ

لَيَعْرِفُ من أنْكَرْتهِ البَدْوُ والحَضْرُ

ولا تُنْكِريني، إنّني غيرُ مُنْكَرٍ

إذا زَلَّتِ الأقْدامُ، واسْتُنْزِلَ النّصْرُ

وإنّي لَجَرّارٌ لِكُلِّ كَتيبَةٍ

مُعَوَّدَةٍ أن لا يُخِلَّ بها النَّصر

وإنّي لَنَزَّالٌ بِكلِّ مَخوفَةٍ

كَثيرٍ إلى نُزَّالِها النَّظَرُ الشَّزْرُ

فَأَظْمَأُ حتى تَرْتَوي البيضُ والقَنا

وأَسْغَبُ حتى يَشبَعَ الذِّئْبُ والنَّسْر

ولا أًصْبَحُ الحَيَّ الخُلُوفَ بغارَةٍ

و لا الجَيْشَ ما لم تأْتِهِ قَبْلِيَ النُّذْرُ

ويا رُبَّ دارٍ، لم تَخَفْني، مَنيعَةً

طَلَعْتُ عليها بالرَّدى، أنا والفَجْر

وحَيٍّ رَدَدْتُ الخَيْلَ حتّى مَلَكْتُهُ

هَزيماً ورَدَّتْني البَراقِعُ والخُمْرُ

وساحِبَةِ الأذْيالِ نَحْوي، لَقيتُها

فلَم يَلْقَها جافي اللِّقاءِ ولا وَعْرُ

وَهَبْتُ لها ما حازَهُ الجَيْشُ كُلَّهُ

ورُحْتُ ولم يُكْشَفْ لأبْياتِها سِتْر

ولا راحَ يُطْغيني بأثوابِهِ الغِنى

ولا باتَ يَثْنيني عن الكَرَمِ الفَقْرُ

وما حاجَتي بالمالِ أَبْغي وُفورَهُ

إذا لم أَفِرْ عِرْضي فلا وَفَرَ الوَفْرُ

أُسِرْتُ وما صَحْبي بعُزْلٍ لَدى الوَغى،

ولا فَرَسي مُهْرٌ، ولا رَبُّهُ غُمْرُ

ولكنْ إذا حُمَّ القَضاءُ على امرئٍ

فليْسَ لَهُ بَرٌّ يَقيهِ، ولا بَحْرُ

وقال أُصَيْحابي: الفِرارُ أو الرَّدى؟

فقلتُ:هما أمرانِ، أحْلاهُما مُرُّ

ولكنّني أَمْضي لِما لا يَعيبُني،

وحَسْبُكَ من أَمْرَينِ خَيرُهما الأَسْر

يَقولونَ لي: بِعْتَ السَّلامَةَ بالرَّدى

فقُلْتُ: أما و اللهِ، ما نالني خُسْرُ

وهلْ يَتَجافى عَنّيَ المَوْتُ ساعَةً

إذا ما تَجافى عَنّيَ الأسْرُ والضُّرُّ؟

هو المَوتُ، فاخْتَرْ ما عَلا لكَ ذِكْرُهُ

فلم يَمُتِ الإنسانُ ما حَيِيَ الذِّكْرُ

ولا خَيْرَ في دَفْعِ الرَّدى بِمَذَلَّةٍ

كما رَدَّها، يوماً، بِسَوْءَتِهِ عَمْرُ

يَمُنُّونَ أن خَلُّوا ثِيابي، وإنّما

عليَّ ثِيابٌ، من دِمائِهِمُ حُمْرُ

وقائِمُ سَيْفٍ فيهِمُ انْدَقَّ نَصْلُهُ،

وأعْقابُ رُمْحٍ فيهُمُ حُطِّمَ الصَّدْرُ

سَيَذْكُرُني قومي إذا جَدَّ جِدُّهُمْ،

وفي اللّيلةِ الظَّلْماءِ يُفْتَقَدُ البَدْرُ

فإنْ عِشْتُ فالطِّعْنُ الذي يَعْرِفونَهُ

وتِلْكَ القَنا والبيضُ والضُّمَّرُ الشُّقْرُ

وإنْ مُتُّ فالإنْسانُ لابُدَّ مَيِّتٌ

وإنْ طالَتِ الأيامُ، وانْفَسَحَ العُمْرُ

ولو سَدَّ غيري ما سَدَدْتُ اكْتَفوا بهِ

وما كان يَغْلو التِّبْرُ لو نَفَقَ الصُّفْرُ

ونَحْنُ أُناسٌ، لا تَوَسُّطَ عندنا،

لنا الصَّدْرُ دونَ العالمينَ أو القَبْرُ

تَهونُ علينا في المعالي نُفوسُنا

ومن خَطَبَ الحَسْناءَ لم يُغْلِها المَهْرُ

أعَزُّ بَني الدُّنيا وأعْلى ذَوي العُلا،

وأكْرَمُ مَنْ فَوقَ التُّرابِ ولا فَخْرُ

🌹🌹🌹

انتقل إلى الجندول التي نظمها المهندس علي محمود طه فأقول:

لقد تم تلحين هذه الأغنية من قِبَل الموسيقار القامة محمدعبدالوهاب في عام 1941…

ولا يختلف اثنان بأنه قد أجاد في تلحينها وأدائها،  بل قيل بأنها تعد من أفضل أغانيه ان لم تكن أفضلها…

الاّ أن محمد عبدالوهاب قد إختار لها إيقاع (الفالس) غير المعهود على الأذن العربية والأفريقية معا، ولأن كان البعض يعد ذلك من مميزات هذه الأغنية الاّ أن الموسيقار رياض السنباطي قال في ذلك مامعناه (اختيار محمدعبدالوهاب للفالس كإيقاع لهذه الأغنية لايتناسب مع (نَفَسِ) القصيدة، وليته إختار لها إيقاعا آخر)!

كابلي بالطبع سمع الأغنية من فم محمدعبدالوهاب لكونه أسبق من كابلي في تلحينها وأدائها، وكابلي بذلك يكون قد تعامل مع قصيدة ملحنة ومغناة، أما محمدعبدالوهاب فقد تعامل مع نص شعري فقط، والمعلوم منطقا وعقلا أن الذي يطرأ ويتعامل مع ذات الأمر تكون نتائجه وخلاصاته أفضل وأقرب الى الكمال دون الذي سبقه، حيث يتسنى للاحق تبين مواطن القوة والضعف والاحكام والاخلال في طرح من سبق، وذاك الذي تيسر لكابلي وهو يتعامل مع نص شعري ملحّن ومُؤدى…

ومن يستمع الى أغنية الجندول -وقد زار المدينة التي ألّفت في رحابها هذه القصيدة البديعة- يصل به الادهاش مبلغا عظيما، انها فينيسيا الايطالية الرابضة على جزر عديدة متصلة ببعضها عن طريق قنوات مائية غاية في الروعة…

تقع المدينة في شمال شرق ايطاليا على شكل مستطيل يحاذي بحيرة متوازية مع البحر الادرياتيكي، وقد نسيتُ اسم الفندق الذي نزلت فيه لمدة أربعة عشر يوما، لكنني أذكر جيدا بأنه في ساحة سان ماركو ويطل على كنيسة ذات مبنى فيه الكثير من بصمات المعمار الاسلامي ومااااأجمل تلك المدينة…

أما الجندول فهو قارب يذكرك بقوارب الفراعنة المصنوع من سيقان البردي وله رأس وذيل معقوف، ولعلي أأتي ببعض الصور لتلك المدينة لاحقا اذ لدي اشكال في اللابتوب بالنسبة لانزال الصور بين يدي الحديث عن لحن وأداء ذات الأغنية من الموسيقار محمدعبدالوهاب والدكتور كابلي، وقد (سمعت) بأن التي نظم فيها الشاعر القصيدة (خلاسية) أثيوبية التقاها في فينيسيا والعهدة على الراوي.

قصيدة على محمود طه هي من الطول بمكان، لذلك فقد اختار كابلي منها بعضها، ولعلها ذات الأبيات التي غنتها أم كلثوم:

هذه هي:

أين من عينيّ هاتيك المجالي ياعروس البحر ياحلم الخيال

أين من واديك يا مهد الجمال

موكب الغيد وعيد الكرنفال وسرى الجندول في عرض القنال

بين كأس يشتهي الكرم خمره

وحبيب يتمنّى الكأس ثغره

إلتقت عيني به أول مرّه

فعرفت الحبّ من أول نظره

أين من عينيّ هاتيك المجالي ياعروس البحر ياحلم الخيال

مرّ بي مستضحكا في قرب ساقي يمزج الرّاح بأقداح رقاق

قد قصدناه على غير اتفاق فنظرنا وابتسمنا للتّلاقي

وهو يستهدي على المفرق زهره

ويسوي بيد الفتنة شعره

حين مسّت شفتيّ أول قطره

خلته ذوّب في كأسي عطره

أين من عينيّ هاتيك المجالي ياعروس البحر ياحلم الخيال

ذهبي الشّعر شرقيّ السّمات مرح الأعطاف حلو اللّفتات

كلّما قلت له خذ قال هات ياحبيب الرّوح ياأنس الحياة

أنا من ضيّع في الأوهام عمره

نسي التاريخ أو أنسي ذكره

غير يوم لم يعد يذكر غيره

يوم أن قابلته أول مرّه

أين من عينيّ هاتيك المجالي ياعروس البحر يا حلم الخيال

قال من أين وأصغى ورنا قلت من مصر غريب ههنا

قال أن كنت غريبا فأنا لم تكن فينيسيا لي موطنا

أين منّي الآن أحلام البحيره

و سماء كست الشّطآن نضرة

منزلي منها على قمّة صخره

ذات عين من معين الماء ثرّه

أين من فارسوفيا هاتيك المجالي يا عروس البحر يا حلم الخيال

قلت والنشوة تسري في لساني هاجت الذّكرى فأين الهرمان

أين وادي السّحر صدّاح المغاني أين ماء النّيل أين الضّفتان

آه لو كنت معي نختال عبره

بشراع تسبح الأنجم إثره

حيث يروي الموج في أرخم نبره

حلم ليل من ليالي كليوباتره

أين من عينيّ هاتيك المجالي يا عروس البحر يا حلم الخيال

أيّها الملاح قف بين الجسور فتنة الدنيا وأحلام الدّهور

صفّق الموج لولدان وحور يغرقون اللّيل في ينبوع نور

ما ترى الاغيد وضّاء الأسرّه

دقّ بالسّاق وقد أسلم صدره

لمحب لفّ بالساعد خصره؟

ليت هذا اللّيل لا يطلع فجره

أين من عينيّ هاتيك المجالي يا عروس البحر يا حلم الخيال

رقص الجندول كالنّجم الوضيئ فاشد يا ملاح بالصّوت الشّجيّ

وترنّم بالنّشيد الوثنيّ هذه اللّيلة حلم العبقري

شاعت الفرحة فيها والمسرّه

وجلا الحبّ على العشّاق سرّه

يمنه مال بي على الماء ويسره

إنّ للجندول تحت اللّيل سحره

أين يا فينيسيا تلك المجالي أين عشّاقك سمّار اللّيالي

أين من عينيّ يا مهد الجمال موكب الغيد وعيد الكرنفال

يا عروس البحر يا حلم الخيال

🔴

(2)

اني أعتذر .. حبيبة عمري تفشى الخبر

قد لايعلم -سوى أهل الاختصاص من الموسيقيين- بأن هذه الأغنية البديعة قد أضافت للموسيقى السودانية أكتشافا جديدا!

يقال عندما شرع الدكتور كابلي في تلحين هذه الماتعة في ابتدارات الستينيات من القرن الفائت، أحس بحاجته إلى صوت وتر جديد يزيد على صوت الوتر الخامس، فقام في البدء بدوزنة الوتر الخامس على صوت (فا)، لكنه لم يجد ذلك مجزياً وموافقا للذي يوده، فأعاد الدوزنة ليصبح الوتر الخامس مطابقأ لصوت (مِي)، فإذا به يحقق له المراد…

ثم تبعه العديد من واضعي الألحان والعازفين، وكان أول من أخذ بهذه الدوزنة الملحن السوداني المعروف الاستاذ بشير عباس…

وقد أجمع كل المشتغلين بالتلحين والموسيقى بأن هذه الإضافة قد أتاحت لهم مساحة اكبر للتدرج والوصول إلى أدنى درجات السلم الموسيقي ثم البقاء هناك لفترة اطول من المعهود، حيث يستجيب ذلك للكثير من المساحات اللحنية (الدنيا) في تراثنا الغنائي الشفوي ويوافق ذلك ويستجيب للمزاج السوداني!…

وهذه القصيدة تستحق حقا أن تنال شرف هذا الابتدار، وذلك لما فيها من احتشاد جمالي يجعلها ضمن ماجداتنا من اغنياتنا الخالدة بل في مقدمتها.

لقد كتب الشاعر الملهم /القاضي الحسين الحسن رحمه الله بإسم حبيب يعتذر لحبيبته بأنه لم يسع يوما او يرجو أن يذيع خير حبهما وقد تفشى الخبر وذاع وعم القرى والحضر!…

تملوا بلاغة الكلمات وهي تتالى كما الدوائر في بحيرة ساكنة، قد حرك أمواهها حجرٌ ألقي إليها في وسطها!

تفشى الخبر…

وذاع…

وعَمّ القرى…

والحضر…

لم يغفل كابلي ذلك، بل أعطاه حقه وهو يلبسها ثوبها اللحني القشيب…

فإذا به وبحُنجرته الملوكية وابداعه المعهود يضيف اليها أبعادا أخرى في الترقي الصوتي من الخفيت في (وذاع) إلى أن يتعالى الصوت منه رويدا رويدا في (وعم القرى) إلى أن يصل أعلى ذراه في كلمة (والحضر)!…

فتتبعه الكمنجات في ذلك مكملة زخم الامتاع لتوصله إلى مداه، ثم تعود بالسياق اللحني إلى ابتدارته الأولى ليواصل كابلي ويقول:

وكنت أقمت عليه الحصون وخبّأته من فضول البشر

وقبل ان يتملك المستمع الإحساس بأن اللحن قد أضحى (دائريا)، اذا بكابلي صاحب العبقرية اللحنية ينحى بالسياق منحى آخر فيفيد من الوتر الخامس ويقول:

وصنعت له من فؤادي المهاد

ووسدته كبدي المنفطر

ومن نور عيني نسجت الدثار

ياااااه

هنا يتداخل ابداع الحسين وكابلي فتحار أيهما الذي يستحق الإشادة والثناء!

فشاعرنا الجميل قد جعل من قلبه مهادا لحبه، بل وسده كبده المنفطر،

وزاد على ذلك بأن صنع له من نور عينيه دثارا ليضمن اخفائه من فضول البشر!…

كيف لا وهو القاضي إذ تؤثر  فيه -كثيرا- أحاديث الناس إن تفشى الخبر!…

فماذا عساه يفعل والحب قد ملك منه الفؤاد والروح؟!…

لقد كان يخشى أن تفضحه عيناه المستهامة في حبها وهو الحريص جدا على نفسه وعليها…

فليت عيناه كانتا قد تعلمتا كيف تخفيان الحنين وتواريانه خلف ستار الحذر، فلا تهمسان بشئ منه حتى في أذن النسيم، ولاتوشوشان به لضوء القمر…

وظل على حاله ذاك يكابد  وقد استبد به الهيام بحبها…

واذا بالشوق يغلبه اليها، والحنين الى أيامها يضيّق عليه السوح والفضاءات فلا يكاد يجد لنفسه منه فكاكا، فلا يملك إلا أن يسلم قواد نفسه إلى ذكرى أيامها لينطلق كالمسيّر…

وكان يوما رقيق النسيم، كثير الغيوم وهو على فراشه يغالب الحمى، فسار بخياله ليجد نفسه هنااااك حيث مكان اللقاء:

وقف يستشرف أفق الشمس الغاربة فإذا  بالصوت الريان حياء وخجلا يتغشى أذنيه بل يقتحمه اقتحاما!…

واذا بقلبه (يتقطع) بين يدي بكاءها وويحها وهي تعاتبه على تفشي الخبر وشروع الناس في الحديث عنهما، قالت له من بين دموعها بأنه الملام في تفشى الخبر…

فتسمرت قدماه وحار ماذا يجيبها، ولم يعد يسمع من كلماتها شيئا،

فجعل يخاطب نفسه ويقول:

وكنت أعلمُ أن العيونَ

تقولُ الكثيرَ المثير الخطر

فعلمتها كيف تخفي الحنين

تواريه خلف ستار الحذر

فما همَسَتْهُ لأذن النسيم

ولا وشوشته لضوء القمر

ولكن برغمي تفشي الخبر

وذاع وعم القري والحضر

ثم تتغشاه الشجاعة فجأة فيقول لها:

حبيبة قلبي وهل كان ذنبي

إذا كنت يوما نسيتُ الحذر

وهنا تتداخل الكمنجات بما يشبه العويل ويتداخل معها صوت كابلي وهو يقول:

فصوتك كان يهدهد روحي

ويحملني في جناحٍ أغر

يحلق بي حيث لا أمنياتٍ تخيب

ولا كائناتٍ تمُرْ

وهومت حتي تبدّي أمامي

ظلامٌ رهيب كفيفُ البصر

وقفت عليه أدقُّ الجدارَ

فما لانَ هونا ولم ينشطرْ

فعدتُ تذكرتُ أن هواك

حرامٌ علي قلبي المنكسر

ويتقمص كابلي الحال بكل ما يكتنف المشهد من مشاعر واحاسيس فيبكي حيث يكون البكاء ويختلط ذلك مع نواح الكمنجات فلا تملك الدموع إلا الانهمار من أعين السامعين والمشاهدين…

ويطول المقام بشاعرنا الى أن يرخي الليل سدوله، يسائل نفسه كيف تكون حياته بدونها وقد خرجت من حياته للأبد؟!…

هاهي الدنيا خلاء بلقع، والفضاءات ظلام داكن، والمستقبل أمامه جدار صلد لايسمح له بالولوج!…

فقد ضاعت منه الى الأبد، فليته لم ينس الحذر يوما، ولات ساعة مندم…

اقرأوها كاملة:

حبيبة عمري تفشي الخبر

وذاع…

وعَمّ… القري والحضر

وكنت أقمت عليه الحصونَ

وخبأتُه من فضولِ البشرْ

صنعت له من فؤادي المهاد

ووسدته كبدي المنفطر

ومن نور عيني نسجت الدثار

ووشيته بنفيس الدرر

وقد كنت أعلمُ أن العيونَ

تقولُ الكثيرَ المثير الخطر

فعلمتها كيف تخفي الحنين

تواريه خلف ستار الحذر

فما همَسَتْهُ لأذن النسيم

ولا وشوشته لضوء القمر

ولكن.. برغمي تفشي الخبر

وذاع وعم القري والحضر

حبيبة قلبي وهل كان ذنبي

إذا كنت يوما نسيتُ الحذر

ففي ذاتِ يومٍ رقيقِ النسيمِ

كثيرِ الغيومِ، قصيرِ العمرْ

ذكرتُ مكانا عزيزا علي

وأنتِ به وأنا والأُخر

ذكرت حديثك ذاك الخجولَ

وصوتُك ينساب منه الخفرْ

تقولين ماذا تقولين ويحي

وهل كنتُ أفهمُ حرفا يمرْ

ولكن برغمي تفشي الخبر

وذاع وعم القري والحضر

تقولين ماذا تقولين ويحي

وهل كنت أفهم حرفا يمر

فصوتك كان يهدهد روحي

ويحملني في جناحٍ أغر

يحلق بي حيث لا أمنياتٍ

تخيب ولا كائناتٍ تمُرْ

وهومت حتي تبدّي أمامي

ظلامٌ رهيب كفيفُ البصر

وقفت عليه أدقُّ الجدارَ

فما لانَ هونا ولم ينشطرْ

فعدتُ تذكرتُ أن هواك

حرامٌ علي قلبي المنكسر

حبيبة قلبي وهل كان ذنبي

إذا كنت يوما نسيتُ الحذر؟

🔴

(3)

بين يدي ماتعة الدكتور كابلي (البت سعاد)

دقت الدلوكة قلنا الدنيا مازالت بخير

عادل عسوم

هذه الأغنية تعد عملا مسرحياً بديعا لما ذخرت به من صور حية في ثنايا هذه القصيدة الجميلة،

واخال كابلي عند تلقيه لكلمات هذه القصيدة -الآتية على مجزوء الوافر- قد كانت لديه العديد من ال(بدائل) الايقاعية واللحنية وهي:

1- الرقي

2- التُم تُم

3- المردوم

لكنه -ولسبب ما- اختار لها (الدليب) ايقاعا وقالبا لحنيا!

يا تُرى لماذا؟!

هذا هو ابتدار القصيدة:

دقّتْ الدَلّوُكَهْ

قُلنا الدنيا ما زالت بخير

أهو ناس تعرِّس وتنْبَسِط.

بلا جدال فإن ايحاء لفظة الدلوكة هنا، حريّ به أن يدفع بالذي يتعامل مع هذا النص، إلى السمت الذي يتسق مع عوالم الدلوكة، وهي الصورة الغنائية لأهلنا الجعليين الذين ينتمي إليهم شاعرها الراحل الجميل عمر الطيب الدوش، لكن كابلي -الذي عاش في مروي سنوات من عمره- أوسع من زاوية النظر الى كامل بُنية القصيدة، فوجد ايقاع الدليب الأكثر قدرة على التعبير عن مكنونات النص، وترجمة الصور المرسومة فيه إلى واقع مشاهد غني بالحراك الحياتي…

وأخال كابلي قد استصحب في خاطره بديعته التراثية (فيكي يامروي شفت كل جميل)،

إذ لعلها التي جعلته يختار إيقاع الدليب لهذه القصيدة الماتعة…

فإيقاع الدليب، وزخم الصورة الملحمية الادائية التي تسم عوالم أغنيات الطنبور، لاغرو لها سحرها وألقها على كل الأعمال الغنائية التي تخللتها، وذاك لعمري الذي جعل عددا من مبدعينا -ممن لاينتمون إلى حاضنتها الجغرافية- يعمدون إلى إدراجه في قوالبهم اللحنية، وفي مقدمتهم راحلنا وردي، وآخرون كثر…

للاقتراب أكثر إلى سوح هذا العمل الفني البديع وفضاءاته دعونا نقرأ معا هذه الجزئية:

تكْكَّتَ سروالي الطويل

سويتْلُو رقعات فى الوسط

فى خشْمِي عضّيت القميص

أجرى وازبِّد شوق وانُط

لا مَن وصلتَ الحفلَهْ زاحمتَ الخلق

وركزْتَ شان البِتْ سُعاد.

المشهد هنا أجد فيه شبها بمشهد آخر لشاعر مبدع آخر هو صديقي السر عثمان الطيب، وذلك في ثنايا قصيدته الخالدة التي غناها الراحل محمد كرم الله وهي (المشتهنك) حيث يقول:

حارسين شويفعنا البجيب لينا البشارة يجيب أمل

يجري ويناهد من بعيد شايلو شنطة وبي عجل

يفرح يقول خليتو جاي وراي يسالم في الاهل

والساعة ديك عاد البلد تنجارا قاصداك يا السمح

والناس توسوس لي بعض يي داك وصل والله صح

حتي اللي كان محزون وباكي اليلي عاد هش وفرح

بي يوم رجوعك يا حبيّب روحنا تب يبرا الجرح

مبدعانا الشاعران المُجيدان الطيب الدوش والسر عثمان الطيب، رسما بالأحرف مشهدين ذاخرين بالصور الحياتية، وهنا يلزم أيما ملحن يود التعامل مع مشهد منهما، أن يحسن إختيار الإيقاع والقالب اللحني الذي يستجيب ويترجم هذه الصور الحياتية المبثوثة في كل مشهد، لتكون المحصلة، عملين رائعين تتكامل في كل منهما عناصر الإبداع من كلمات ولحن وأداء…

ولأن كانت رائعة السرير ومحمد كرم الله قد فعلت ذلك، فإنني على بقين بأن ماتعة كابلي هذه لاتقل عنها إبداعا، ولعلي أقول بأن هذا العمل الفني قد ظُلم فيه الدوش وكابلي معا ظلما بائنا، لكونه لم يحظ ما يستحقه من تثمين ورواج…

لا أنكر بأن نظرتي إلى هذا العمل – والذي جمع مالا يُجمعُ – لا تخلو من الارتهان إلى أمر (شخصي)، حيث جدتي لأبي جعلية من منطقة المتمة واسمها الزهراء بت الشريف ابوسَم رحمها الله ،بينما قوام أهلي شايقية، وقصيدة إبن شندي الراحل عمر الطيب الدوش، بما فيها من صورٍ مأخوذة من عمق الحياة الجعلية، وصفاً لمشهد الفرح، وما يكتنفه من بُطان، ثم مآلُهُ من لحنٍ أسسه كابلي على إيقاع الدليب  وهو -أي كابلي- الذي لا يمت لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك الاّ بوصال الوطن الجميل، أحسبه يضيف إلى استحساني وإعجابي بهذا العمل بعدا آخر وسعة في زاوية نظري إليه.

ولا أدري لِمَ تحضرني بين بين يدي هذه الأغنية الماتعة لوحة الموناليزا (الجيوكندا)!

هذه اللوحة كما هو معلوم، قد لفتت نظر النقاد وذلك لمزاوجتها/جمعها -في ثنايا إبتسامة صاحبة الصورة- ما لا يكاد يجمع!

إنها مشاعر ومظهر ال(حُزن) وال(فرح) معاً، وشتان مابين الحزن والفرح!

راحلنا عمر الطيب الدوش -في هذا العمل- لا يبدو لي ذات الدوش الذي كتب روائع وردي، أمثال (الود) و (الحزن القديم) و(بناديها)!

ولعلي إن أعطيت فرشاة ولوحا وألوانا، وطلب مني أن أرسم صورة للشاعر الذي كتب ماتعات وردي تلك، لرسمت شاباً كثيف الشعر يلبس بنطال جينز أزرق، وقميص لونه وردي أو بيج أو بنفسجي …

أما ان طلب مني رسم الشاعر التي أتحفنا ب(البت سعاد/ دقت الدلوكة قلنا الدنيا مازالت بخير)، لرسمت رجلا تعدى منتصف العمر، يتزيا بعراقي وسروال وسديري، ويتدلى من خاصرته سيف مغمد في جفيره، وبيمينه سوط عنج ابولسانين!…

فالقصائد هنا وهناك لذات الشاعر! وذات الوجدان! وذات القلب الذي يحتقب الصورتين!، هنا يكمن ادهاش ابتسامة الموناليزا!…

والأمر إن جهدنا لتبيانه، ليس بأمرِ قدرةٍ على التعبير عن المشاعر والاحاسيس بقدر ما هو أمر قدرة -فائقة- على ال(رسم) بالكلمات!…

فشاعرنا الجميل عندما تقرأ له ماتعات وردي، تكاد تجد الأحرف التي كتب بها تلك الأعمال المجيدة، لا تلبث الاّ أن تعتمر لها جناحين، لتطير تباعا كفراشات تنطلق من أصيص زهور، بينما تجد ذات الأحرف التي صاغ منها راحلنا الجميل البت سعاد، تتحول إلى شخوص من لحم ودم، تراها أمامك مفعمة بالحياة حراكاً وحميمية!…

فكم تسمو بي الحزن القديم!

وكم تطير بي كلمات بناديها!

وكم تهدهد كياني كلمات الود!…

أما كلمات هذه الماتعة، فإنها تشعل فِيّ صهيل افراس، وتجعلني اتبين سودانيتي المتشاطرة مابين أهلي الشايقية واهلي الجعليين، علما بأنني ولدت في اقاصي الشرق في كسلا، ثم أمضيت شطرا من طفولتي بين ظهراني أهلنا السكوت والمحس في جزيرة صاي، ولم أفتأ اتحدث النوبية.

🔴

(4)

يا ضنين الوعد

انها درة يصعب أن تجد لها شبيها أو مثيلا!…

قال عنها صديق مدثر رحمه الله:

(لقد كتبتها بكل جوارحي، وأودعتها كل الصدق)، وقد صدق…

فقد كانت من ألهمته تصطرخ جمالا ودلا، يزدان خداها بماء الشباب، ويعلو عارضيها بهاء ماتع يشي بوجدان ريّان باللّطف والجمال، طرفها كحيل بفطرته التي فطره الله عليها؛ فتخاله نبعٌ للسحر، وواحة يُستظل فيها من هجير الصحراء، كل نظرة منها تأسر القلب، لكأنها تنزع عنه التخيير ليصبح مسيّر منقاد إليها!…

لقد أضحى هذا حاله منذ أن أسرته بنظرتها الأولى!…

نظرة سلبت عنه الإرادة فأصبح تابعا لها كالقمر، يدور في فلكها بلا انفكاك …

لقد هام بها، واكتنفته الصبابة، فأضحت داءه ودواءه، فأصبح لا يقوى على حياة بدونها، وان الموت -إن فقدها- لامحال آتيه…

لكن، ماذا تراه يفعل وهو يعلم يقينا بالفارق الكبييييير بينهما؟…

فهي إبنة الأكابر، وهو البعيييييد في أسفل سلم الحياة …

لكنه برغم ذلك ظل محتاراً لحزنها البائن في عينيها!، حزن عجيب، ينداح من عينيها فيضفي إلى جمالها اذهالا!…

ياااااه

كم يفجّر حزنها هذا فيه شلالات الحب وينابيع العشق واعاصير الهيام! …

يومها، جاءته وهي الضنينة في وعودها، جاءته فأشرقت الدنيا بمقدمها، وكم حلم بلقائها في أحلامه، فاختلط صحوه بمنامه فما عاد يمايز ما بين الصحو والمنام!…

ياترى هل الذي يحدث الآن حقيقة أم هي بعض أحلامه التي ينسجها خياله؟!

هنا يبدع صديق مدثر معبرا عن تداخل الواقع مع الوهم!!!…

اقرأوا، وأسكنها كابلي وهو يقول:

كان بالأمس لقاء عابرا

كان وهما، كان رمزا عبقرياااا…

كان لولاااا أنني أبصرتُهُ

وتبينتُ ارتعاشا في يدياااا…

بعضُ أحلامي التي أنسجها

في خيالي وأناجيها ملياااا…

ما أبرع وصفه لتوهانه مابين الحقيقة والوهم؟!…

وما أبلغ تصويره لدليل حدوث ذاك اللقاء؟!…

هاهي صورتها مابرحت تمور أمام ناظريه، وهاهي يده مازالت (ترتعش) من بعد السلام عليها…

ياااااه

انه ليس في حلم…انما هي الحقيقة ماثلة…

جاءته وهي عجلى، وقالت إنها تخشى من تغوّل الفارق بينهما، قالت ذلك ولم تهبه فرصة ليتحدث إليها، فإذا بالدُنا تظلم في عينيه، وينفطر فؤاده بالتأوه والأنين، وتغرورق عيناه بالدمع فما عاد يبصر شيئا!…

فشرع يواسي نفسه ويطمئنها قائلا:

لقد رأيت الحب يطل من عينيها، انها تحبني، لكنها تخشى الفارق بيننا، ومافتئ يخاطب ذاته ويقول:

الآن فقط عرفت سر حزنها الغائر في لجة عينيها…

وطفق يستلهم شِعْرَه، ويستقوي بخياله الممتد إلى عنان السماء يرتاد الثريا، سيظل -ماتتالت سني عمره- لها عاشقا يبثها هيامه، إلى أن يسلم الروح الى خالقها…

لنعش معها ياأحباب…

ضنين الوعد

صديق مدثر

يالماء الشباب فى خديك

وتلألئ البهاء فى عارضيك

ورمى طرفك المكحل بالسحر فؤادى فصار رهنا لديك

انا مستهتر بحبك صب

لست اشكو هواك إلا إليك

يا كثير الجمال والحسن والدل

حياتى وميتتى بيديك

ياضنين الوعد

اهديتك حبى

من فؤاد يبعث الحب نديا

ان يكن حزنك مجهول المدى

فخيال الشعر يرتاد الثريا

كلما …

اخفيته فى القلب تنبي عنه عيناك

ولا يخفى عليّ

انا ان شئت فمن اعماق قلبى

ارسل الالحان شلالا رويا

وابث الليل اسرار الهوى

واصوغ الصبح ذوبا بابليا

لاتقل انى بعيد فى الثرى

فخيال الشعر يرتاد الثريا

***

كان بالأمس لقاء عابرا

كان وهما كان رمزا عبقريا

كان لولا أنني أبصرته

وتبينت ارتعاشا في يدي

بعض أحلامي التي أنسجها

في خيالي وأناجيها مليا

***

ومضة عشت على اشراقها

وانقضت عجلى

وما اصغت اليّ

انّة خبأتها في خافقى

وترفقت بها برا حفيا

من دمى غذيتها

حتى غدت

ذات جرس يأسر الاذن شجيا

وافترقنا….

وبعينى المنى

غالها الدمع فما ابصرت شيئا

ان تكن

انت جميلا فانا….

شاعر يستنطق الصخر العصيا

ان تكن

انت بعيدا عن يدى

فخيالى يدرك النائي القصيّا

لاتقل انى بعيد

فى الثرى

فخيال الشعر يرتاد الثريا

إضغط هنا للإنضمام إلى مجموعتنا على الواتساب (٢٩)

إضغط هنا للمحاولة في بقية مجموعات الواتساب من (١) حتى (٢٨)

إضغط هنا للإنضمام إلى قناتنا على التليغرام

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق