مقالات
تريند

عادل عسوم يكتب: ما ذَلّت لغةُ قومٍ إلا ذلّوا

سوداني نت:

ليت من يقرأ هذا المقال يسبقه بقراءة مقالي السابق (من قال إن الأحرف تهوى السكون)، إذ فيه تَقْدمة وإرهاص للذي أحَبّره الآن.

وكما فصلت في مقالي السابق، فإن اللغات في عمومها تعد أهم أسباب الوحدة وجمع شمل الشعوب؛ وان اختلفت اعراقهم واديانهم وطبقاتهم الإجتماعية، ومن يريد الاستيثاق من ذلك فليذهب إلى البرازيل، أوالهند، وكذلك العديد من دول شرق آسيا، ثم أمريكا الحالية وكذلك كندا، أما السودان فهو المثال الأول لذلك، فقد كانت العربية ومافتئت بوتقة تنصهر فيها (كل) أعراقنا؛ قبائل وبطونا وفخوذا، وكذلك كل ثقافاتنا وادياننا.

ولكن تبقى كل لغة ذات مستويين، فهناك الفصحى وهناك الدارجة، وعلى خيوط ذلك انسج نولي هذا.

قبل أن نسقط الأمر على السودان؛ ألفت نظر القارئ إلى حال اللغة الانجليزية في بريطانيا (انجلترا كمثال) مقارنة بأمريكا، فقد ابتُذِلت الانجليزية في امريكا حتى قال أحد أساتذة اللغة الإنجليز في انجلترا ضجرا:

(على الأمريكان تسمية لغتهم اسما آخر)!

الذي يعيش في أمريكا يتبين جليا انحسار الإنجليزية (الفصحى) بمرور السنوات، وذلك نتاج الكم الكبير من الإضافات ذات الأصول غير الإنجليزية، وبالطبع للأمر وصل بالاثنيات العديدة التي قدمت إلى أمريكا بلغاتها الأم، ثم انصهرت في المجتمع الأمريكي.

ولننظر ماهي النتيجة لابتذال اللغة الانجليزية في أمريكا!، من يريد تبين ذلك فلينظر إلى حال المجتمع الأمريكي اليوم، من حيث الضبط الأخلاقي والقيمي، وصولا إلى ميس السياسة!، والمعلوم أن اللغة -من مدخل السياسة- تتأثر دوما بمنابر الخطاب العام في المجتمع، وهنا علينا المقارنة مابين لغة خطاب الرئيس الأمريكي الموشك على المغادرة ترمب ومن سبقه من رؤساء أمريكا ولعل اقربهم إليه أوباما!

ولنعد إلى السودان:

من ينظر إلى حال السودان الآن ويقارنه بماضيه -من بعد الاستقلال-، يجد العربية الفصحى كانت رائدة في كل المحافل السودانية، فهل بقيت كذلك الآن؟!

الانتكاسة الحقيقية لذلك يتبينها المرء خلال العامين الماضيين، فقد حدثت في السودان ثورتان من قبل هذه الثورة، فهل كان المطروح في ما سبق من ثورات يقارن بالذي طُرِح في ثنايا الثورة الحالية وإلى يومنا هذا؟!

لنقارن الطرح الإعلامي في ثورة اكتوبر 64 وما سمعناه خلال ثورة ديسمبر 2019، والمعلوم أن مقود الإعلام خلال الثورتين كان بيد الشيوعيين، جيلنا لم يزل يتذكر الهتافات في أكتوبر، وماتبعها من ندوات ومساجلات سياسية، ثم ماتخلل وتبع ذلك من أناشيد ملحمية جعلت من ثورة أكتوبر ايقونة؛ وان كانت في حقيقتها ثورة على افضل نظام حكم شهده السودان، ولولا انكفاء نظام عبود للمصريين وتنازله عن حقوق السودان من مياه النيل خلال مباحثات السد العالي؛ لما كان في نظامه قدح ولاذم.

هتافات اكتوبر كانت من الفصاحة بمكان، فقد كانت تشي بثقافة جيل، وكانت تدل على معرفة بكل ما يدور في العالم من حولنا من حراك، وكذلك كانت اناشيد اكتوبر، بدءا من أول نشيد للراحل فضل الله محمد رحمه الله بعد شهر واحد من انطلاق الثورة (الملحمة)، والذي غناه الأستاذ محمد الأمين:

أكتوبر 21

يا صحو الشعب الجبار

يا لهب الثورة العملاقة

يامشعل غضب الاحرار

في الجامعة أرضنا مروية

والشعب العابر ايمانه

في دمه سطور الوطنية

من دم القرشي و اخوانه

ما أعظم غضبك يا شعبي

ما أجمل حبك يا شعبي ..

دي أرضك وانت بتفديها

يا شعبي الثائر يا شعبي

يا قوة سلم أمانيها

يا شعب غرامه الحرية

والعزة شبابه يغنيها

ثم كتب الأستاذ الديبلوماسي عبدالمجيد حاج الأمين رائعة دكتور كابلي هبت الخرطوم:

هبت الخرطوم في جنح الدجي

خمدت بالعزم هاتيك الجراح

وقفت للفجر حتى طلعا

مشرق الجبهة مخضوب الجناح

والتقينا في طريق الجامعة

مشهداً يا موطني ما اروعا.

ثم رائعة وردي (أكتوبر الأخضر) التي صاغ كلماتها الأستاذ الديبلوماسي محمد المكي إبراهيم رحمهما الله:

باسمك الظافر ينمو

فى ضمير الشعب ايماناً وبشرى

وعلى الغابة والصحراء يلتف وشاحا

وبايدينا توهجت ضياءاً وسلاحا

وتسلحنا بأكتوبر لن نرجع شبراً

سندق الصخر حتى يخرج الصخر لنا زرعاً وخضرة

ونرود المجد حتى يحفظ الدهر لنا اسماً وذكرى

بأسمك الأخضر يا اكتوبر الأرض تغنى

الحقول اشتعلت قمحاً ووعداً وتمنى

والكنوز انفتحت فى باطن الأرض تنادى

بأسمك الشعب انتصر

حائط السجن انكسر

والقيود انسدلت جدلة عرس فى الأيادى

كان أكتوبر فى أمتنا منذ الأزل

كان خلف الصدر والأحزان يحي

صامداً منتصراً حتى اذا الصبح أطل

أشعل التاريخ ناراً وأشتعل

كان اكتوبر فى قبضتنا الأولى مع المك النمر

كان اسياف العشر ومع ألماظ البطل

وبجنب القرشى حين دعاه القرشى حتى انتصر

بأسمك الأخضر يا اكتوبر الأرض تغنى.

فماذا ياترى كانت هتافات ثورة ديسمبر 2019؟!

من يظن بأن هذه الهتافات الفجة والجوفاء والخاطئة في لغتها ومضمونها بدءا من هتاف (تسقط بس) وانتهاء ب(الجوع ولا الكيزان)؛ هي من تأليف شاب هنا او (كنداكة) هناك فهو ساذج، فقد كانت هناك -ولم تظل- واجهة بإسم تجمع المهنيين ثم (غرف إعلامية) خلفها كودار وناشطات ذات الحزب الذي أدار -بجدارة- اعلام ثورة اكتوبر من قبل، ولكن تباين الماضي عن الحاضر وبَعُد بُعد المشرقين!

ولنقرأ كلمات الأناشيد التي تم التغني بها من قبل نانسي عجاح وعدد من المطربين الشباب؟!

لقد ذلت اللغة فاضحى الرفد من الهتاف والشعر فجا، وانطفأ البريق الذي عهدناه من العديد من قيادات الشيوعيين واليسار بعد أن قضى الآباء منهم والرعيل الأول نحبه، ودونكم منابرهم الحالية من منتديات وقروبات في الفيسبوك والواتساب وسواه من وسائط، هناك تشكو الفصحى لطوب الأرض، إذ ابتُذِلت ولم تسلم حتى من كلمات الراندوك تتخلل كتابات العديد من كبار كتّابهم!

ولعلي أختم مقالي هذا بملاحظة:

(جل -ان لم يكن كل- الذين شهد لهم الناس بحسن اللغة وفصاحتها من قيادات الشيوعيين واليسار من الرعيل الأول كانت خاتمتهم الهداية والعبور إلى الشاطئ الأيمن)!

دونكم شاعر الطير المهاجر صلاح أحمد ابراهيم رحمه الله، ودونكم صاحب الخطى المكتوبة احمد سليمان المحامي، ودونكم خالد الحاج صاحب منتدى سودانيات، رحمهم الله جميعا، ودونكم كذلك دكتور أمين حسن عمر، والاستاذ عبدالباسط سبدرات، أما الدكتور عبدالله على إبراهيم؛ فهو على الجسر في طريقه للعبور بحول الله.

لقد اعتدت القول لاصدقائي:

من تتبينون حسن لغته من شيوعيي اليوم ويسارييه؛ اعلموا يقينا بأنه ارهاص بهداية مدخورة لهم في خواتيمهم، وستبقى فجاجة اللغة رهينة بسوء صاحبها فكرا وخُلُقا وسلوكا.

نسأل الله عافية اللغة والدين، وسلامة الوطن.

[email protected]

إضغط هنا للإنضمام إلى مجموعتنا على الواتساب (٣١)

إضغط هنا للمحاولة في بقية مجموعات الواتساب من (١) حتى (٣٠)

إضغط هنا للإنضمام إلى قناتنا على التليغرام

تابعنا على “أخبار قووقل”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!