سياسيمقالات
أخر الأخبار

د. “ياسر محجوب الحسين يكتب”: مات الطيب المقدام

سوداني نت:

ما بالُ شمس هذا اليوم غائمة منكسرة كمساء حزين؟.. نعم مات الطيب مصطفى، الطيب المقدام الذي لم يكن ليعيش لنفسه كتلك الشمس التي لا تُشرق لذاتها.. مات صاحب المشاريع الصحفية الناجحة.. كان للرجل سرّا باتعا تربّعَ فوقَ عرْشِ الانجاز، فقد أمتلك عزيمة تهزم كل مستحيل في عالم الصحافة المأزوم، فإذا ما لمست عزيمته غُصنا مُعَرَّىً فإذا في الغصن نُضرةً. كان الطيب المقدام صادعا بالحق، جسورا ومقاوما لكل سلطان قال له اصمت أو إياك أن تعلي صيحتك أو أن ترفع صوتك أو أن تعلن موقفك. كانت معركته في “صيحته” ضد الفاسدين الذين استظلوا بالسلطان واحتموا بصولجانه، وضربوا بسوطه، وظلموا بسيفه، وسرقوا بعلمه أو بغير علمه، ونهبوا لجيبه، وأقصوا لصالحه فهزموا مشروع الأغلبية الصامته فكانت صيحته في واد الصمت تجلجل.

قبل تلك المكالمة الدافئة في ديسمبر ٢٠١٣ لم أكن أعرف الطيب أكثر من المعرفة العامة واللقاءات الخاطفة في سوح العمل الصحفي. في ذلك اليوم طلب مني الطيب أن نلتقي بأسرع فرصة. في ذلك اللقاء طرح مشروعه الصحفي الجديد (الصيحة) بعد إخراجه عنوة واقتدارا من مشروعه الأول صحفية الانتباهة التي بعزيمته ومثابرته وضعها في القمة الصحفية، فلم يحزن أو ييأس فكانت “الصيحة” صحيفة شامخة شرفني برئاسة تحريرها وأشركني في كل خطوات التأسيس المضنية، وسأظل أحتفظ بذكريات مع “الصيحة” أثيرة إلى نفسي .

وبعد اللقاء الأول سارت الأمور في اتجاه التوافق والاتفاق في ادق التفاصيل وبدأنا رحلة التأسيس حتى صدور “الصيحة” في مارس ٢٠١٤. وبدأنا في خطوط متوازية البحث عن مقر ومتابعة الجوانب الإجرائية الإدارية والقانونية وكذلك الكادر الصحفي. أشركني الطيب في كل صغيرة وكبيرة بما في ذلك توزيع مكاتب المقر وحتى ألوان الجدران والأثاث المكتبي. ولم يكن التأسيس نزهة أو مهمة سهلة في ظل تحديات كبيرة، لكن الطيب المقدام كان صاحب شكيمة وإرادة فولاذية مكنتنا من المضي قدما.من بين ركام صيانة مقر الوليد الجديد وعلى الأرض عقدنا اجتماعات اختيار كادر التحرير بمعية مدير التحرير الأخ أحمد التاي (رئيس التحرير الحالي). كان الطيب متحمسا ومستعجلا الصدور وكنت متأنيا محاذرا أي فشل قد يحدث فتحملني حتى تأكدت من عمل الشبكة الداخلية وكانت آخر خطوات ما قبل الانطلاق، في مارس 2014. وكان لابد من الاتفاق على الخط التحريري وهدفه فتوافقنا على عنوان رئيسي وهو (الحرب على الفساد) وهكذا انطلقنا برؤية واضحة وضعتنا في مقدمة الصحف توزيعا ولكنها في ذات الوقت كانت مكلفة جدا دفعنا ثمنا غاليا بيد أن “الصيحة” استمرت قوية رغم الحرب الرسمية عليها وظلت تستمد صمودها من قوة دفع انطلاقتها. ولامس خطها التحريري قضايا الجماهير. قصة “الصيحة” تطول وتطول وتحتاج لسعة من الزمن ومدادا كثيرا.

كانت هجرتي واستقالتي بعد التضييق والحرب مع السلطات الأمنية خيارا لتمضي “الصيحة” في مسيرتها وتعدل تكتيكيا في سياستها التحريرية، فالهجرة في الأصل فرج ومخرج وإدارة للأزمة وإبصار لفرجة اليسر مع استحكام العسر.

كان حزنك يالطيب دائما خلف ابتسامتك، وكان حسن النية عندك خلف فعلك، والطيبة خلف غضبك، والقوة عند بكائك والمنطق خلف صمتك. اللهم أخرج الطيب من حلق ضيق الدنيا إلى واسع جنانك. اللهم ثبته عند السؤال وأكرم نزله ووسع مرقدة. اللهم صبر أسرته وأهله واحبائه وألهمهم الصبر والسلوان وحسن العزاء.
وقلوبُ كلّ الراحلينَ برُفقَتي:
هي موطني ومدينتي وخبائي
مازلتُ أوقِدُ غربةً، بطريقتي!
أصحو، فتوقَـدُ وحشةُ الغرباءِ

د. ياسر محجوب الحسين
رئيس تحرير “الصيحة” المؤسس

إضغط هنا للإنضمام إلى مجموعتنا على الواتساب (31)

إضغط هنا للمحاولة في بقية مجموعات الواتساب من (1) حتى (30)

إضغط هنا للإنضمام إلى قناتنا على التليغرام

تابعنا على “أخبار قووقل”

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق